اللعنة-عين العذاب مبالغة، لإفراطه في التعذيب [1] .ومن هذا النّص نعلم مدى إسرافه في التعذيب حتى صار عذابا بذاته ونقمة على من تحته من الجماهير.
ولهذا كان مطلب موسى عليه السلام-ومعه هارون-تحرير بني إسرائيل، يقول تعالى حكاية لقول موسى وهارون:''فأرسل [2] معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم'' [3] .وهو أمر من الله لهما، يقول تعالى:''فأتيا فرعون فقولا إنّا رسول رب العالمين، أن أرسل معنا بني إسرائيل'' [4] .أي خلّ عنهم وأطلقهم ولا تعذبهم، وكانت بنو إسرائيل عند فرعون في عذاب شديد، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، ويكلفهم من العمل في الطين واللبن و بناء المدائن ما لا يطيقونه، وفي ذلك إشارة على أن تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإيمان [5] .
لقد جاء موسى عليه السلام بالبينة والبرهان لتحقيق مطلب وحيد هو إرسال بني إسرائيل، ممّا يؤكّد على الإشارة السابقة أنّ تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإيمان، لأنّ دعوتهم إلى الإيمان وهم تحت سيطرة الطاغوت وتأثيره يعني أنّنا ندعوا قوما ليس عندهم قدرة على الإختيار، ولهذا كانت الفتنة أشد من القتل وأكبر، وهو ما يُرشد إليه قوله تعالى حكاية لقول موسى عليه السلام:''قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل'' [6] .أي قد جئتكم (بحجة قاطعة من الله أعطانيها دليلا على صدقي فيما جئتكم به، فأرسل معي بني إسرائيل، أي أطلقهم من أسرك وقهرك) [7] ،وهذا وجه في تفسير قوله تعالى:''ولقد فتنّا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم، أن أدوا إلي عباد الله، إنّي لكم رسول أمين'' [8] ،والشاهد في الآية قول موسى:''أن أدوا إلي عباد الله''أي (سلّموهم إليّ ولا تعذبوهم، يعني بني إسرائيل) [9] .
لقد كان القتل الوسيلة الأشهر من بين وسائل فرعون حتى طغى على ألوان العذاب الأخرى؛ وذلك لأنّ القتل ينشر الرعب ويُخضع النّاس، فحب الحياة وغريزة البقاء تضغط على الجنس
(1) انظر: تفسير القرطبي (16/ 142) وتفسير ابن كثير (4/ 144) وفتح القدير (4/ 575) وروح المعاني (25/ 125) .
(2) (المراد بالإرسال إطلاقهم من الأسر والقسر وإخراجهم من تحت يده، لا تكليفهم أن يذهبوا معه إلى الشام كما ينبئ عنه قوله تعالى:''ولا تعذبهم'') تفسير أبي السعود (6/ 19) .
(3) [طه:47] .
(4) [الشعراء:16 - 17] .
(5) انظر: تفسير البيضاوي (4/ 52،53) وتفسير الواحدي (2/ 696) وتفسير البغوي (3/ 219) وتفسير النسفي (3/ 56) .
(6) [الأعراف:105] .
(7) تفسير ابن كثير (2/ 236) .
(8) [الدخان:17 - 18] .
(9) تفسير الواحدي (2/ 983) .وانظر: وتفسير الطبري (25/ 118) وتفسير البيضاوي (5/ 160) والصنعاني: عبد الرزاق بن همام، (126 - 211 هـ) ، تفسير القرآن،3 أجزاء، تحقيق: مصطفى مسلم محمد، ط 1، مكتبة الرشد، الرياض، 1410 هـ. (3/ 207) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (تفسير الصنعاني) .