البشري برمّته، بل وجميع الأحياء تُصارع الموت وتفرُّ منه، ومن ثمّ كان القتل الوسيلة الأقصر والأخصر للتخلص من المخالفين للنّظام، ولا يزال التّخويف من الموت سوطا تُلوّح به الطواغيت، لا يقتحمه إلاّ أصحاب الإيمان واليقين الذين يؤمنون أنّ القتل في سبيل الله أو الموت له معنى واحد هو البقاء في ظلّ الرحمة التي لا تنقطع، يقول تعالى:''ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير ممّا يجمعون'' [1] .
لقد أسرف فرعون في سفك الدماء وإزهاق الأرواح في سبيل المحافظة على ملكه، يقول تعالى:''واذ نجّيناكم من آل فرعون يسومونكم [2] سوء العذاب يذبحون [3] أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم'' [4] ،ويقول تعالى:''وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقّتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم'' [5] ،ويقول تعالى حكاية لقول موسى:''وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون [6] أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم
(1) [آل عمران:157] .
(2) (يسومونكم: يولونكم، ويقال: يريدونه منكم ويطلبونه ... ومنه يقال: سامه بخطة خسف أولاه وإياه، والثاني من مساومة البيع. وقيل: سامه كلفه العمل الشاق. وقيل: معناه يعلمونكم من السيماء وهي العلامة. وقيل: يرسلون عليكم من إرسال الإبل المرعى) التبيان في تفسير غريب القرآن (1/ 84) مع بعض التصرف.
(3) (وإنما قال ههنا يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ليكون ذلك تفسيرا للنعمة عليهم في قوله:''يسومونكم سوء العذاب''ثم فسره بهذا لقوله ههنا:''اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم''.وأما في سورة إبراهيم فلما قال:''وذكرهم بأيام الله''أي بأياديه ونعمه عليهم فناسب أن يقول هناك:''يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم''،فعطف عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والأيادي على بني إسرائيل) تفسير ابن كثير (1/ 91) . (لذلك أتى بالعاطف ليؤذن بأن إسامتهم العذاب مغاير لتذبيح الأبناء وسبى النساء، وهو ما كانوا عليه من التسخير بخلاف المذكور في البقرة، فإن ما بعد يسومونكم تفسير له فلم يعطف عليه، ولأجل مطابقة السابق جاء في سورة الأعراف''يقتلون أبناءكم''ليطابق سنقتل أبناءهم ونستحى نساءهم) الزركشي: أبو عبد الله، محمد بن بهادر بن عبد الله، (745 - 794 هـ) ، البرهان في علوم القرآن،4 أجزاء، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، بيروت، 1391 هـ. (1/ 120) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (البرهان في علوم القرآن) . (وقوله:''يذبحون''بغير واو هنا على البدل من يسومونكم، وفي الأعراف''يقتلون''،وفي إبراهيم''ويذبحون''بالواو لأن ما في هذه السورة والأعراف من كلام الله تعالى فلم يرد تعداد المحن عليهم، والذي في إبراهيم من كلام موسى فعدد المحن عليهم وكان مأمورا بذلك في قوله:''وذكرهم بأيام الله'') أسرار التكرار في القرآن (1/ 27) .
(4) [البقرة:50] .
(5) [الأعراف:141] .
(6) (ويذبحون أبناءكم وأدخلت الواو في هذا الموضع لأنه أريد بقوله:''ويذبحون أبناءكم''الخبر عن أن آل فرعون، كانوا يعذبون بني إسرائيل بأنواع من العذاب غير التذبيح وبالتذبيح. وأما في موضع آخر من القرآن فإنه جاء بغير الواو،''يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم''في موضع وفي موضع''يقتلون أبناءكم''ولم تدخل الواو في المواضع التي لم تدخل فيها، لأنه أريد بقوله:''يذبحون''وبقوله:''يقتلون''تبيينه صفات العذاب الذي كانوا يسومونهم) تفسير الطبري (13/ 185) . (وعطف''يذبحون أبناءكم''على''يسومونكم سوء العذاب''وإن كان التذبيح من جنس سوء العذاب إخراجا له عن مرتبة العذاب المعتاد حتى كأنه جنس آخر لما فيه من الشدة) فتح القدير (3/ 96) .