هذا الوجدان. القلب الذي اتصل بالله فذاق طعم العزة فلم يعد يحفل بالطغيان. القلب الذي يرجوا الآخرة فلا يهمه من أمر هذه الدنيا قليل ولا كثير:''قالوا لا ضير إنّا إلى ربنا منقلبون إنّا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنّا أول المؤمنين'' [1] .. يا لروعة الإيمان إذا يشرق في الضمائر. وإذ يفيض على الأرواح. وإذ يسكب الطمأنينة في النفوس) [2] ،وهكذا ربّى القرآن النّفوس في مكة وهي تواجه الأذى والكرب والضيق، وهكذا يُربّي كلَّ صاحب عقيدة يواجه الطغيان والظلم. إنّه يُقدّم لنا النماذج العظيمة والدروس البليغة، فالطريق إلى تلك القمم يمرّ عبر بوّابة الصبر والمصابرة، ولن يتمّ الصعود بالأمنية العاجزة الذليلة.
لقد (جعل الله حال امرأة فرعون مثلا لحال المؤمنين ترغيبا لهم في الثبات على الطاعه والتمسك بالدين والصبر في الشدة) [3] ،يقول تعالى:''وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابني لي عندك بيتا في الجنّة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين'' [4] ؛ذلك (أنّ الاستعاذة بالله والإلتجاء اليه ومسألة الخلاص عند المحن والنوازل والصبر عليها من سير الصالحين) [5] .
إنّها المرأة القدوة والنموذج والمثال. لقد اجتمعت فيها عدة عوامل رفعتها إلى هذا النموذج الإنساني الرفيع:
فهي امرأة، والمعلوم أنّ النّساء أقل قدرة على المواجهة من الرجال، ومع ذلك استطاعت أن تجتاز المحنة وتقابل الموت بقوة واقتدار، وفي (هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة، أي لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون) [6] ،فما هو قول الضعفاء والعاجزين الذين يُخفون عجزهم تحت معاذير واهية؟
وهي-أيضا-تعيش حياة مترفة منعمة، ممّا يجعل الإنتقال إلى النقيض أمرا في غاية الصعوبة على النّفس، ومع ذلك قبلت تلك النّقلة البعيدة، وتحولت من سعة القصور والحياة المترفة إلى المواجهة وتحمّل العذاب بأقصى صوره دمويَّة، وفي هذا درس للمترفين الذين عبدوا شهواتهم ونزواتهم، وخافوا على رؤوس أموالهم، وتذرعوا بمصالحهم فقعدوا عن القيام بواجبهم، وهو درس لأؤلئك الذين يقبلون بالفتات ويخنعون ويستسلمون!
(1) [الشعراء:50 - 51] .
(2) في ظلال القرآن (6/ 210) .
(3) فتح القدير (5/ 256) .
(4) [التحريم:11] .
(5) تفسير النسفي (4/ 261) مع بعض التصرف.
(6) تفسير القرطبي (18/ 203) .