الخفيف) [1] ،وفي الحديث:''والصبر ضياء'' [2] ،والمراد (أنّ الصبر محمودٌ، لا يزال صاحبه مستضيئا مهتديا مستمرا على الصواب) [3] .
الصبر (نور قوي تنكشف به الكربات وتنزاح به غياهب الظلمات، فمن صبر على ما أصابه من مكروه-علما بأنّه من قضاء الله وقدره-هان عليه ذلك، وكفي عنه شره، وادخر له أجره، ومن اضطرب فيه وأكثر الجزع والهلع لم ينفعه تعبه، ولا يدفع سعيه شيئا من قدر الله، بل يتضاعف به همه ويحبط أجره، والعبد بالصبر يخرج عن عهدة التكليف، ويقوى على مخالفة الشيطان والنفس، فيفوز في الدارين فوزا. والضياء النّور القوي، والإضاءة فرط الإنارة) [4] .
والصبر الذي يكون لله وفي سبيل الله ثوابه غير مقدر، يقول تعالى:''إنّما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب'' [5] ،وكفى بهذا الأجر غير المقدر حافزا لمواجة الطاغوت وتحمّل أذاه، فلنصبر صبرا جميلا لاجزع فيه ولا شكوى، بل نبث همنا وكربنا إلى الله وحده.
كانوا في أول النّهار سحرة وفي آخره شهداء برره. فها هم يرفعون أكف الضراعة إلى الله، لمّا أراد فرعون ردّهم عن دينهم وتهددهم بالقتل وسيلة الطواغيت في مواجهة الحق، الذي لا يملكون دفعه بالحجة والبرهان، (فلما صال عليهم بذلك وتوعدهم هانت عليهم أنفسهم في الله عز وجل، وقالوا:''لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات'' [6] ،أي لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين، ولن نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم، المبتدي خلقنا من الطين، فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت.''فاقض ما أنت قاض'' [7] ،أي افعل ما شئت وما وصلت إليه يدك، إنّما تقضي هذه الحياة الدنيا، أي إنّما لك تسلط في هذه الدار، وهي دار الزوال، ونحن قد رغبنا في دار القرار،''إنّا آمنّا بربنا ليغفر لنا خطايانا'' [8] ، أي ماكان منّا من الآثام خصوصا ما
(1) ابن القيم الجوزية: أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، (691 ـ 751 هـ) ،التبيان في أقسام القرآن، جزء واحد، دار الفكر. وسأشير إليه فيما بعد ب: التبيان في أقسام القرآن (1/ 55) .وقالوا: (والصبر على أربع شعب: على الشوق والشفق والزهادة والترقب للموت، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن اشفق من النار رجع عن الحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون في المصيبات، ومن ترقب الموت سارع في الخيرات) . العدني: محمد بن يحيى بن أبي عمر، (150 - 243 هـ) ،الإيمان، جزء واحد، تحقيق: حمد بن حمدي الجابري الحربي، ط 1،الدار السلفية، الكويت،1407 هـ. (1/ 118) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (الإيمان للعدني) .
(2) صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء (1/ 203) رقم (223) .
(3) شرح النووي على صحيح مسلم (3/ 101) .
(4) فيض القدير (4/ 291) .
(5) [الزمر:10] .
(6) [طه:72] .
(7) [طه:72] .
(8) [طه:73] .