وهكذا تتكرر صور الخروج والهجرة، وتزداد أعداد الهاربين من الظلم والطّالبين حق اللجوء السياسي في بلاد الكفار! بعد أن كُمّمت الأفواه ونُصبت أعواد المشانق في بلاد العرب والمسلمين. إنّها ذات القصة القديمة.
ظلم للحق الذي عرفوه وأيقنوه، يقول تعالى:''والكافرون هم الظالمون'' [1] ،فإنّ مجرد معرفة الحق وعدم مناصرته ظلم عظيم يحاسب عليه الإنسان يوم القيامة، فكيف بمن ينكره ويحاربه؟! بل ويستخدم شتّى الوسائل والحيل لحجبه ومنعه وقهره ومحاصرته، ويبذل الجهد والمال بسعي دؤوب لتشويه الحقائق كي لا تصل إلى النّاس صافية بالكذب والتضليل المبرمج.
وظلم للنفس، حيث عرّضوها للعذاب في الدنيا، فكل من لا يرتبط بالحق يعيش حياة مطّربة يسودها القلق والخوف والهواجس والحسرة والعبثية والحزن والشقاء ... وغير ذلك كثير من أمراض النّفس الفتّاكة التي تصاحب إنكار الحق وعدم القبول به. وكلّ ذلك من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر، وهو تعريضهم أنفسهم للعذاب الخالد في جهنّم يوم القيامة، يقول تعالى:''ولا تحسبنّ الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء'' [2] ،ويا لها من عاقبة مؤلمة لا يعلم مداها إلاّ الله، حيث ينقلب ظلمه ظلمات عليه، يقول صلى الله عليه وسلم:''الظلم ظلمات يوم القيامة'' [3] .
وظلموا الناس بصدهم عن الإيمان بها، وحجبوا عنهم نور الهداية ورحمة الله، فآذوا من آمن، وعرّضوه للفتنة كي لا يبقى على إيمانه، وظلموا بني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب وذبح أولادهم وأخذ أموالهم ومصادرة حقوقهم، فليس لهم إلاّ ما يبقيهم على قيد الحياة لخدمة فرعون، والمعصية هنا أشد من غيرها لأنها لا تقع غالبا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار، وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب، لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر.
وكما تنوع الظلم في ظلّ شخصية فرعون تعددت دركاته أيضا، فقد أتى فرعون بأعظم أنواع الظلم وهو الكفر بآيات الله بل وادعى أنّه رب وإله، ثمّ ما سفكه من الدماء بغير حق، وسلبه أموال النّاس وإذلالهم .. فلم يترك جريمة إلاّ وفعلها، ولقد قيل: أنّ (العلة المانعة من الظلم عقل زاجر، أو دين حاجز، أو سلطان رادع، وعجز صاد) [4] ،وإذا تأملت لم تجد عند فرعون واحدة منها.
(1) [البقرة:254] .
(2) [ابراهيم:42 - 43] .
(3) صحيح البخاري، كتاب المظالم، باب الظلم ظلمات يوم القيامة (2/ 864) رقم (2315) .
(4) المناوي: محمد عبد الرؤوف، (952 - 1031) هـ، فيض القدير شرح الجامع الصغير،6 أجزاء، ط:1،المكتبة التجارية الكبرى، مصر،1356 هـ. (4/ 143) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (فيض القدير) .