فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 259

وكان ظلمه عظيما لأنّ (كفره بالآيات التى جاء بها موسى كان كفرا متبالغا، لوجود ما يوجب الإيمان من المعجزات العظيمة التى جاءهم بها، والمراد بالآيات هنا هى الآيات التسع) [1] ،والتي أرشد إليها قوله تعالى:''ولقد آتينا موسى تسع آيات بيّنات'' [2] .

ويتعاظم ظلم فرعون كلما تنوعت وتعددت الآيات، فردّ الدليل مع ازدياد قوته يوجب أشدّ العذاب، ولهذا كان قوله تعالى في شأن المائدة التي طلبها بنو إسرائيل من عيسى عليه السلام:''إنّي منزّلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإنّي أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين'' [3] .

وها هي الآيات تأتي فرعون مبصرة (إشعارا بأنها لفرط اجتلائها للأبصار بحيث تكاد تبصر نفسها لو كانت مما يبصر، أو ذات تبصر من حيث إنها تهدي، والعمي لا تهتدي فضلا عن أن تهدي، أو مبصرة كل من نظر إليها وتأمل فيها، فكان رد فرعون ومن تبعه أنّ هذا سحر مبين واضح سحريته، وجحدوا بها وكذبوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وترفعا عن الإيمان) [4] ،أي تيقّنوا أنها من عند الله وأنها ليست سحرا، ولكنّهم كفروا بها وتكبّروا أن يؤمنوا بموسى، وهذا يدل على أنهم كانوا معاندين ظالمين على غير استحقاق للجحد [5] ،فالظلم يحمل صاحبه للجحود مهما كانت الآيات والمعجزات، وهو مصداق قوله تعالى:''ولكنّ الظالمين بآيات الله يجحدون'' [6] .

ولقد أفرط فرعون في ظلمه وبارز الرب بالمخالفة، وادعى أنّه الرب الأعلى، فإن لم يكن ظالما فهو الظلم بعينه، فصار الخروج من ظلّ شخصيتة الظالمة نجاة وطمأنينة، وذلك ما أراده الرجل الصالح من مدين من قوله لموسى:''لا تخف نجوت من القوم الظالمين'' [7] ، (يريد فرعون وقومه. فطب نفسا وقرّ عينا فقد خرجت من مملكتهم فلا حكم لهم في بلادنا، فليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، لأنّ مدين كانت خارجة عن مملكة فرعون) [8] .

(1) فتح القدير (2/ 231) .

(2) [الإسراء:101] .

(3) [المائدة:115] .

(4) تفسير البيضاوي (4/ 261) مع بعض التصرف.

(5) انظر تفسير القرطبي (13/ 163) وتفسير الطبري (15/ 174) والثعالبي: عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف، الجواهر الحسان في تفسير القرآن،4 أجزاء، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت. (3/ 157) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (تفسير الثعالبي) .

(6) [الأنعام:33] .

(7) [القصص:25] .

(8) تفسير ابن كثير (3/ 151،385) .وانظر: تفسير القرطبي (13/ 271) وتفسير الطبري (20/ 61) ومعاني القرآن (5/ 175) وتفسير الواحدي (2/ 816) وتفسير البغوي (3/ 442) وفتح القدير (4/ 168) وزاد المسير (6/ 215) وتفسير النسفي (3/ 233) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت