فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 259

الطاغوت، وهذا ما نفهمه من قوله تعالى:''وأعدوا لهم ما استطعتم'' [1] ،أي (ما أطقتم أن تعدوه لهم من الآلات التي تكون قوة لكم عليهم) [2] .

لم يكن القرآن ليذكر شخصية فرعون كلّ هذا الذكر باعتبارها شخصية تاريخية لن تعود إلى الوجود مرّة أخرى، بل إنّ هذا الحديث الواسع عن شخصية فرعون ليؤكد أنّها شخصية تتكرر ولكن بأشكال مختلفة وجوهر واحد؛ فقد تتكرر شخصية الطاغوت فرعون بشخصية كفرعون ومن حوله أبواق تردد أقواله وتُسبح له! وقد تتكرر في جماعة تنهج في مجموعها نهج فرعون، وقد تكون الدّولة برمتها تنهج نهجه، فتكون الشخصية الإعتبارية للدّولة حينذاك هي شخصية فرعون، بمعنى أنّ وجود فرعون الطاغوت يتحقق كلما طُبق منهجه.

وعلى أي شكل تكرر فرعون تبقى وسائل الرد بخطوطها الأساسية لا تتغير، وإن حدث تغيير فإنّما هو بالفروع'التكتيك'.فجوهر المواجهة يتمثل في جماعة مؤمنة صابرة مصابرة تأخذ على عاتقها دفع الثمن بأعلى مستوياته من التضحية، لتكون مثالا للآخرين في الثبات والتصدي. وأي قفز عن هذه الحقيقة في مواجهة الطاغوت يعني إطالة مرحلة الاستعباد والخضوع والخنوع. لابدّ من فئة مؤمنة تدفع الثمن الأول وتكون رأس الحربة التي تطعن الطاغوت، وتتحمّل العبء الأكبر، وحين نجد من يقتحم العقبة نكون قد خطونا الخطوة الأولى على طريق النّصر أو الشهادة. إنّ لنا في قصة فرعون دروسا وفوائد جمة، نُجملها فيما يلي:

أولا: البعد الغيبي في الأحداث حقيقة نوقن بها ولا تُلغي واجب الأخذ بالأسباب

إنّ أول مظهر يتجلى فيه البعد الغيبي في قصة فرعون هو الربط بين الأحداث وسلوك النّاس مع ربهم، فليس هناك حدث إلاّ وهو مرتبط بطبيعة علاقة النّاس مع الله، فالعقوبات التي أنزلها الله على فرعون وآله وقومه ما هي إلاّ انعكاس لتلك العلاقة، يقول تعالى:''فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليمّ بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين'' [3] ،فكل مأساة تُصيب البشر فبما كسبت أيديهم ويعفوا عن كثير، يقول تعالى:''وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن

(1) [الأنفال:60] .

(2) تفسير الطبري (10/ 29) .

(3) [الأعراف:136] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت