فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 259

إلى تكليف عناصر الحزب بالوظائف المهمة والحساسة في الدولة، ليضمن بذلك عدم قدرة الجماهير في تغيير النّظام إن هي فكرت يوما بذلك.

وقد يكون المشاركون من عشيرته، فالأسرة الحاكمة هم الأمراء والأميرات! وكلما ازداد عددهم وتوزعت أدوارهم وبسطوا نفوذهم كلما تأكد الطاغوت من ثبات ملكه. وزيادة في الحيطة والحذر يقوم الطاغوت بإذكاء روح العشائرية والقبائلية، حيث يستميل بعض القبائل ببعض الأعطيات والمنح! ويخلق جوا من التنافس فيما بينها في كسب وُدّ الحكومة، فكل قبيلة تحافظ على هذا الود ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. وكلٌّ يُريد أن يكون له ظهرٌ عند الحكومة يساند مطالبه وقضاياه.

وقد يكونون من الأقليات العرقية أو الدينية بدعوى المحافظة على حقوق الأقليات وضمان حرية العبادة! ثمّ تتجاوب هذه الأقليات مع النّظام الذي يحقق مصلحتها، وتُناط بها بعض المراكز الحساسة ذات الخطورة العالية، ذلك لأنّ هذه الأقليات لا تملك بحكم حجمها القدرة على قلب الحكومة. بينما تقوم الحكومة باستغلال هذه الأقليات فتمنع الحق الساطع وأصحابه من التحرك بدعوى أنّ حركتهم تُثير الفتن والقلاقل الطائفية والعرقية! فيُظهر الطاغوت نفسه بمظهر الذي يُحقق التوازن ويضمن الأمن للجميع!

وقد يكون المشاركون أصحاب رؤوس الأموال والشركات الكبرى، والتي بدعمها للنّظام تضمن التشريعات القانونية التي تخدم مصلحتها؛ فالمصلحة بينهما متبادلة .. وقد يعتمد الطاغوت على أكثر من فئة أو عامل من عوامل تثبيته.

والملاحظ في كلّ الأحوال أن هذه الفئات تمتاز بفسقها وخروجها عن الحق، فالحق لا يُلائمها، ويصادم مصالحها، فهي تعلم أنّ ما تأخذه أكثر من حقها، أو ربما تهادن النّظام خوفا على مصالحها. وفي كل الأحوال تسعى جاهدة لتحصيل الحصة الأكبر تحت ظلّ الطاغوت.

وفي نهاية هذا المبحث أعود لما ذكرته في أوله، وهو أنّ ظهور شخصية فرعون له أسبابه، وأنّ الأسباب مقدمات إن وجدت وجدت النتائج المترتبة عليها، والقرآن الكريم حين بيّن هذه الأسباب بيّنها للوقاية منها، ولمعرفة العلاج لها إن حدثت، فمعرفة سبب المرض تسهّل الوقاية منه، كما لا يكون العلاج إلاّ بمعرفة السبب.

إنّ تضافر الأسباب التي ذكرناها أظهرت هذه الشخصية؛ ذلك لمّا اجتمع لفرعون فسق الجمهور ومشاركة المنتفعين المتزلفين-مع ما كان عنده من كفر وحرص على الملك الموروث-تمكّن. وهذا يحصل في كلّ مرّة يحكم بها الطاغوت ويتمكّن، فلولا فسق الأغلبية ومشاركة المستفيدين لما استطاع الظلمة من تثبيت ظلمهم؛ ذلك أنّ زمن الرويبضة لن يكون إلاّ حين تسقط القيم ويتنازل النّاس عن مبادئهم، فلا يعودوا يملكون من المعاني الإنسانية والكرامة البشرية شيئا، حينئذ يلجئون إلى الطاغوت ويتخذونه وليا من دون الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت