بأن رفع من درجة هذا على درجة هذا، وخفض من درجة هذا عن درجة هذا [1] ؛ذلك (ليستعمل بعضهم بعضا في حوائجهم فيحصل بينهم تآلف وينتظم بذلك نظام العالم) [2] ،و (ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره) [3] ،وله الحكمة في ذلك كقوله تعالى:''نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات'' [4] ،أي (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ولم نفوض ذلك إليهم، وليس لأحد من العباد أن يتحكم في شيء بل الحكم لله وحده) [5] ،فالمطلوب هو العدل بين النّاس وليس محو الفوارق الطبيعية بينهم، وهي المعادلة التي لا يستطيع القيام بها وجعلها واقعا في حياة النّاس غير الإسلام، وهذا ما لا يسمح به الطاغوت.
وهوإفراز طبيعي لتلك التصورات التي سادت المجتمع في عهد فرعون، والعلاقة بين النّظام المُطبق وتلك المفاهيم علاقة تبادلية، فالنّظام يُشجع وينشر تلك المفاهيم، وتلك المفاهيم تُساعد على بقاء النّظام، والنتيجة لتلك العلاقة تلاشي المعنى الحقيقي للحياة، وغياب الروابط الإنسانية التي يجب أن تسود أفراد المجتمع، وتختفي الأخلاق والقيم ويتحول المجتمع إلى قطعان بشرية تسوقها الغرائز الحيوانية، ويسود الجشع والطمع والأنانية ... تلك هي النتائج الحتمية لانعدام الإيمان بيوم آخر يحاسب فيه النّاس على أعمالهم فإنّ أهداف النّاس وغاياتهم تنحصر في هذه الدنيا، ويزداد الجري وراء تحقيق أكبر قدر ممكن من المنفعة واللذة العاجلة، ويسود مذهب النفعيين والوصوليين، ويصبح المقياس الوحيد في عقول النّاس هو المادة.
ومع ذلك فإنّ الكسب في الدنيا مهما بلغ لا يشبع تطلعات الإنسان، فيبقى في جوع دائم حتى يداهمه الموت، ولذلك كان اليوم الآخر والجزاء في الجنّة التي فيها للصالحين ما يشاؤون وعند الله مزيد. فهل يستطيع فرد مهما بلغ من القدرات أن يحقق في دنياه ما يشاء؟! بالطبع لا يستطيع، وبالتالي يبقى في جري دائم ليس له نهاية أو حد.
لقد مهَّد فرعون السبيل لنفسه، وأوجد الأرضية القابلة لاستقبال مفاهيمه وأفكاره، فها هو فرعون يُخاطب الجماهير المُهيّأة للتجاوب مع أطروحاته، ويضرب على الوتر الحساس الذي تتفاعل معه الحشود المنبهرة بما عنده من زينة وأموال، وذلك في معرض ردّه على موسى عليه السلام، فهو يتوقع
(1) انظر: تفسير الطبري (8/ 114) وتفسير القرطبي (7/ 158) .
(2) تفسير البيضاوي (5/ 145) وانظر: تفسير ابن كثير (4/ 128) وتفسير أبي السعود (8/ 46) .
(3) تفسير ابن كثير (2/ 201) .
(4) [الزخرف:32] .
(5) فتح القدير (4/ 554) .