ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرهون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون'' [1] ،وذلك بسبب صبرهم على الشدائد. وبصبرهم على أذى فرعون، وعلى ما أمرهم الله به بعد أن آمنوا.
وفي هذا حثٌ ودليل على أنّ من قابلوا البلاء بالصبر فلهم من الله العاقبة الحسنى، فيُسبغ عليهم نعمه، ويصبحون في الأرض أئمة وقادة. أمّا إذا قعد النّاس وتقاصرت هممهم ونفذ صبرهم فإنّهم يصيرون بتقاعسهم وعدم صبرهم إلى ذيل القافلة.
من وسائل مواجهة الطاغوت الإستقامة وعدم اتباع سبيل الذين لا يعلمون، وهما أمران من الله سبحانه وتعالى في بضع آية يشكلان معا يشكلان جزءا من منهج المجابهة المتكامل مع فرعون، ودلّ على هذا قوله تعالى:''قال قد أُجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعانّ [2] سبيل الذين لا يعلمون'' [3] . (إنّه أمر من الله تعالى لموسى وهارون بالإستقامة والثبات على أمرهما من دعاء فرعون وقومه إلى أن يأتيهم عقاب الله الذي أخبرهما أنّه أجابهما فيه) [4] .
إنّ الأمر الأول يتمثل بالإستقامة، ويعني (الإعتدال، يقال: استقام له الأمر، وقوله تعالى:''فاستقيموا إليه'' [5] ،أي في التوجه إليه دون الآلهة، وقام الشيء واستقام اعتدل واستوى، وقوله تعالى:''إنّ الذين قالوا ربنا الله ثمّ استقاموا'' [6] ،أي عملوا بطاعته ولزموا سنة نبيه) [7] ؛ (فالإستقامة والإطراد والثبات على هذا المنهج درجة بعد اتخاذ المنهج: استقامة النفس وطمأنينة القلب. استقامة المشاعر والخوالج، فلا تتأرجح ولا تضطرب ولا تشك ولا ترتاب بفعل الجواذب والدوافع والمؤثرات. وهي عنيفة ومتنوعة وكثيرة. واستقامة العمل والسلوك على المنهج المختار. وفي الطريق مزالق وأشواك ومعوقات؛ وفيه هواتف بالانحراف من هنا ومن هناك) [8] .
(1) [القصص:5 - 6] .
(2) (قرأ ابن عامر ولا تتبعان بتخفيف النون، المعنى فاستقيما وأنتما لا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون وهو الذي يسميه بعض أهل العربية الحال، والمعنى: فاستقيما غير متبعين سبيل الذين لا يعلمون. وقرأ الباقون بالتشديد ولا تتبعان بالتشديد موضع تتبعان جزم إلا أن النون ا لشديدة دخلت للنهي مؤكدة وكسرت لسكونها، وسكون النون التي قبلها واختير له الكسر لأنها بعد الألف وهي تشبه نون الاثنين) حجة القراءات (1/ 336) .
(3) [يونس:89] .
(4) تفسير الطبري (11/ 161 - 162) مع بعض التصرف. وانظر: تفسير البيضاوي (3/ 213) وتفسير ابي السعود (4/ 172) وتفسير الواحدي (1/ 507) .
(5) [فصلت:6] .
(6) [فصلت:30] .
(7) لسان العرب، مادة: قوم (12/ 499) .وانظر: مختار الصحاح، مادة: قوم (232) .
(8) في ظلال القرآن (7/ 235) .