والألوهية، بمعنى أنّ أساس هذه الشخصية ومنبتها قائم على الظلم، ثمّ تَرَتَّب على هذا الأصل كل أنواع الظلم الأخرى، لأنّ سلوك فرعون وتصوره ومنهجه ... كل ذلك قائم على ذلك الأصل الظالم بوضع شخصيته في غير موضعها. وهو بذلك جار على الحق والحقيقة وجاوز كل حد، ومال عن القصد كلّ الميل فكان من الناكبين، وهذا هو الظلم.
وعلى هذا الأساس-المتلبس بالظلم والمنغمس فيه-تنطلق شخصية فرعون إلى واقع الحياة، ومن ثمّ فإنّ كل ما تفرزه هذه الشخصية أو تنشؤه من مناهج وأنظمة وأجهزة مرتبط بالحقيقة الأولى وهي الظلم التي بُنيت عليه، فالشيء يرجع في المذاق لأصله، وهي الحقيقة التي بيّنها القرآن الكريم. يقول تعالى:''ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين'' [1] ،ويقول تعالى:''وإذ نادى ربك موسى أن أئت القوم الظالمين [2] ،قوم فرعون ألا يتقون'' [3] ،ويقول تعالى:''فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا'' [4] ،ويقول تعالى:''قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين'' [5] .
لقد ظلموا-بزعامة فرعون وبتوجيه منه ودعم-بآيات الله، أي كفروا بها فجعلوا موضع ما يجب من الإيمان-الذي هو من حقها لوضوحها-الكفر فقيل: ظلموا بها بمعنى كفروا بها، ولهذا أجري الظلم مجرى الكفر لكونهما من واد واحد [6] ، (فالظلم وضع الشيء في غير موضعه) [7] ، (والكفر بآيات الله وضع لها في غير موضعها وصرف لها إلى غير وجهها الذي عنيت به) [8] .
(1) [الأعراف:103] .
(2) (قوله في طه:(إلى فرعون) [طه:43] ،وفي الشعراء (أن ائت القوم الظالمين، قوم فرعون ألا يتقون) [الشعراء:10 11] ،وفي القصص (فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه) [القصص:32] ،لأن طه هي السابقة وفرعون هو الأصل المبعوث إليه وقومه تبع له، وهو كالمذكورين معه، وفي الشعراء قوم فرعون، أي قوم فرعون وفرعون، فاكتفى بذكره في الإضافة عن ذكره مفردا، ومثله''أغرقنا آل فرعون''أي آل فرعون وفرعون، وفي القصص''إلى فرعون وملئه''فجمع بين الآيتين فصار كذكر الجملة بعد التفصيل) الكرماني: محمود بن حمزة بن نصر، أسرار التكرار في القرآن، جزء واحد، تحقيق: عبد القادر احمد عطا، ط 2، دار الاعتصام، القاهرة، 1396 هـ. (1/ 139) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (أسرار التكرار في القرآن) .
(3) [الشعراء:10 - 11] .
(4) [النّمل:13 - 14] .
(5) [القصص:25] .
(6) انظر: النحاس: أبو جعفر، (ت 338) ، معاني القرآن الكريم، تحقيق: محمد علي الصابوني، ط 1، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1409 هـ. (3/ 60) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (معاني القرآن) ،وتفسير البيضاوي (3/ 45) وتفسير ابي السعود (3/ 257) وتفسير النسفي (2/ 27 - 28) والكشاف (2/ 131) .
(7) تفسير القرطبي (7/ 256) .وانظر: تفسير الطبري (9/ 13) وتفسير البغوي (2/ 185) .
(8) تفسير الطبري (9/ 13) .