فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 259

النّاس في زمن انتشر به السحر، لأنّ الطاغوت في ردّه على الحق لا بدّ أن يُفتش عن فرية شبه معقولة! فإن لم تُقنع النّاس فلا أقل من أن تُدخل الشك إلى قلوبهم.

يلجأ الطاغوت-حين يكذب-إلى أقرب القول، وهو ما أشار إليه الوليد بن المغيرة حين اجتمع مع نفر من قريش وكان ذا سن فيهم وقد حضر الموسم، فقال: (وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا، فيكذب بعضكم بعضا ويرد قول بعضكم بعضا. فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيا نقوم به. فقال: بل أنتم فقولوا لأسمع. فقالوا: نقول كاهن. فقال: ما هو بكاهن، لقد رأيت الكهان فما هو بزمزمة [1] الكاهن وسحره. فقالوا: نقول مجنون. فقال: وما هو بمجنون، ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. فقالوا: نقول شاعر. قال: فما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه [2] ومقبوضه [3] ومبسوطه؛ فما هو بالشعر. فقالوا: نقول ساحر. قال: فما هو ساحر، قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا عقده. فقالوا: ما تقول با أبا عبد شمس؟ قال: والله إنّ لقوله لحلاوة، وإنّ أصله لمعذق، وأنّ فرعه لجني، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وأنّ أقرب القول لأن تقولوا ساحر، فتقولوا هذا ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه وبين المرء وبين أخيه وبين المرء وبين زوجته وبين المرء وعشيرته) [4] .

أرأيت كيف يبحث الطاغوت عن فرية؟! ثمّ أرأيت كيف وقع الإختيار؟ هكذا هم الطواغيت في بحث مستمر عن فرية جديدة يصدون بها عن سبيل الله، بل وأقاموا مجامع لهم لتشويه وجه الحق، واشتروا عقولا بشرية تمتاز بالدهاء والذكاء والمهارة العالية يُعشعش فيها الشيطان لتعمل ليل نهار في البحث والاستقصاء عن طرق لترويج الباطل وتزوير الحقائق، وبذلوا في ذلك أموالهم وجهدهم، وتطورت أساليبهم وطرقهم، وبقي الكذب هو الجامع بين القديم والحديث منها.

لقد أراد فرعون بفريته الأولى-وهي اتهام موسى أنّه ساحر-التشكيك بنبوة موسى عليه السلام، ثمّ تقدم خطوة أخرى للتشكيك في أهداف الدعوة، فبينما موسى جاء لإطلاق بني إسرائيل من

(1) 742 (الزمزمة صوت خفي لا يكاد يفهم) لسان العرب، مادة: زمم (12/ 274) .

(2) (القريض الشعر، وهو الاسم كالقصيد، والتقريض صناعته) لسان العرب، مادة: قرض (7/ 218) .

(3) (القبض في زحاف الشعر حذف الحرف الخامس الساكن من الجزء، نحو النون من فعولن أينما تصرفت، ونحو الياء من مفاعيلن، وكل ما حذف خامسه فهو مقبوض، وإنما سمي مقبوضا ليفصل بين ما حذف أوله وآخره ووسطه) لسان العرب، مادة: قبض (7/ 215) .

(4) السيوطي: أبو الفضل، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن الكمال (849 - 911 هـ) ،كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب (الخصائص الكبرى) ،ط 1،دار الكتب العلمية، بيروت،1985 م. (1/ 189) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (الخصائص الكبرى) .وانظر: الإكتفاء بما تضمنه من مغازي الرسول (1/ 219) ابن إسحاق: محمد بن يسار، (85 - 151 هـ) ،سيرة إبن إسحاق المسماة بكتاب المبتدأ والمبعث والمغازي، جزءان، تحقيق: محمد حميدالله، معهد الدراسات والأبحاث للتعريب. (2/ 132) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (سيرة ابن إسحاق) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت