فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 259

لما أنجاهم وأغرق عدوهم، قالوا يا موسى: إنّ قلوبنا لا تطمئنّ إنّ فرعون قد غرق، حتى أمر الله البحر فلفظه فنظروا إليه) [1] ،والمعنى أنّهم وصلوا بسبب جهلهم وضلالهم حدا يتصورون أنّ فرعون لا يموت! أي قد خالج قلوبهم أنّه ربما يكون إلها! وبسبب هذا التصور الأحمق نجّا الله فرعون ببدنه، يقول تعالى:''فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية'' [2] .أي لتكون لمن وراءك علامة، وهم بنو إسرائيل ومن بقي من قوم فرعون ممن لم يدركه الغرق ولم ينته إليه هذا الخبر، لكي يعتبروا بك فينزجروا عن معصية الله والكفر به والسعي في أرضه بالفساد [3] .

إنّ تقديس الطاغوت أو عدَّه شخصا مميّزا ذا صفات خاصة نادرة، والترويج المستمر لتلك الفرية عبر وسائل الإعلام، ثمّ وجود من يقرّ له-من النّاس-بتلك الفرية، يورث مع توالي الزمن وتكرار المشهد وضخامة الدّعاية وعدم القدرة على المعارضة بكتم صوت الحق والحقيقة ... يورث ما يشبه التسليم بتلك الفرية واعتبارها حقيقة مسلمة لا جدال فيها، حتى إذا قام سيّد الشهداء بكلمة الحقّ أمام الطاغوت تعجب النّاس من القول الجديد على أسماعهم، وطالبوه بزيادة البيان وتوضيح البرهان!

ومن دلائل ضلالهم تعظيمهم للسحر والسحرة، ويظهر هذا من قول السحرة:''إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ويذهبا بطريقتكم المثلى'' [4] .والمعنى أنّ السحرة قد أقلقهم موسى وهارون، وأصبحت مراكزهم مهددة بالإنهيار، وذلك معنى قولهم:''ويذهبا بطريقتكم المثلى''،أي (ويستبدا بهذه الطريقة وهي السحر، فإنّهم كانوا مُعَظَّمين بسببها) [5] .والشاهد أنّ تعظيم السحرة ما كان إلاّ لجهل الجماهير وسفهها، وكيف لا يكون جهلا والحق جلّ شأنه يقول:''ولا يُفلح الساحر حيث أتى'' [6] ،أي لا يفلح (حيث كان وأين أقبل) [7] .

إنّ ضعف الوعي والتّعود على بلادة التفكير أدى ببني إسرائيل بعد أن خرجوا من ظلّ فرعون وتحرروا من قوة فرعون الظاهرة أن يعبدوا العجل، بل ويطلبون من موسى أن يجعل لهم إلها كما لعبدة الأصنام آلهة،''قالوا يا موسى اجعل لنا إله كما لهم آلهة، قال إنّكم قوم تجهلون'' [8] ، (فلم

(1) تفسير القرطبي (1/ 392) .وقد وردت وجوه أخرى في تفسير الآية الكريمة''وأنتم تنظرون''.منها: ليكون ذلك أشفى لصدوركم وأبلغ في إهانة عدوكم) تفسير ابن كثير (1/ 92) ،وهذا لا يتناقض مع الوجه الذي ذكرناه.

(2) [يونس:92] .

(3) انظر: تفسير الطبري (11/ 164) وتفسير القرطبي (8/ 381) .

(4) [طه:63] .

(5) تفسير ابن كثير (3/ 158) .

(6) [طه:69] .

(7) تفسير ابي السعود (6/ 28) .وانظر: تفسير النسفي (3/ 61)

(8) [الأعراف:138] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت