عليه السلام للجهاد:''اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون'' [1] ، (فأبوا وخالفوا وفضلوا القعود والاستحذاء على الجلاد والنزول إلى ميادين الجهاد) [2] ،فقد تعود القوم على القعود، فلا همة عندهم ولا عزيمة، وليس عندهم ثقة بأنفسهم، فكل ما يملأ عقولهم وقلوبهم هو الخضوع والخنوع. ولهذا كانت عقوبتهم التيه أربعين سنة، ليخرج جيل آخر لم يتعرض لتلك لحياة المذلة والمهينة التي سببت لهم تلك الانتكاست النّفسية. يقول تعالى:''فإنّها محرمة عليهم، أربعين سنة يتيهون في الأرض، فلا تأس على القوم الفاسقين'' [3] .وكأنّ الآية الكريمة تشير إلى أنّ ما حدث معهم مرض مزمن لا يمكن التخلص منه إلا بالإستبدال، وتلك سنّة الله''وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثمّ لا يكونوا أمثالكم'' [4] ،ثم لا يكونوا أمثالكم في التولي عن الجهاد والزهد في الإيمان، ولكن يكونون سامعين مطيعين [5] .
وليس أدل على ذلك من عبادتهم للعجل، يقول تعالى:''فإنّا قد فتنّا قومك من بعدك وأضلهم السامري'' [6] ،وكان ذلك (لمّا ذهب موسى إلى مناجاة ربه واستخلف عليهم أخاه هارون عليهما السلام نسوا الله تعالى، وحنُّوا إلى ما وقر في نفوسهم من الوثنية المصرية وخرافاتها فعبدوا العجل) [7] ، (لأنّ الإستعباد الطويل والذل الطويل في ظل الفرعونية الوثنية كان قد أفسد طبيعة القوم وأضعف استعدادهم لاحتمال التكاليف والصبر عليها والوفاء بالعهد والثبات عليه، وترك في كيانهم النفسي خلخلة واستعدادا للإنقياد والتقليد المريح .. فما يكاد موسى يتركهم في رعاية هارون ويبعد عنهم قليلا حتى تتخلخل عقيدتهم كلها وتنهار أمام أول اختبار. ولم يكن بد من اختبارات متوالية وابتلاءات متكررة لإعادة بنائهم النفسي، وكان أول ابتلاء هو ابتلاءهم بالعجل الذي صنعه لهم السامري) [8] .
إنّ الركون إلى الدنيا والحرص عليها والخضوع للشهوة والهوى، واعتبار الرزق مرهون بيد الطاغوت لا بيد الله، والخوف من مواجهة الموت، وكأنّ الطاغوت يحيي ويميت .. كلّ ذلك أعراض للوهن والضعف الذي أصاب قطاعا واسعا من الأمّة، ممّا جعلها مكبَّلة الإرادة تقبل بالذل والإهانة. بل وتعدى الأمر ذلك إلى أن يتجه بعض النّاس لتلمس العزة عند السلطان''واتخذوا من
(1) [المائدة:24] .
(2) مناهل العرفان (2/ 299) .وانظر: تفسير ابن كثير (2/ 40) .
(3) [المائدة:26] .
(4) [محمد:38] .
(5) انظر: تفسير البيضاوي (5/ 197) وتفسير ابن كثير (4/ 183) وفتح القدير (5/ 42) .
(6) [طه:85] .
(7) مناهل العرفان (2/ 299) .
(8) في ظلال القرآن (5/ 490) .