كان بنو إسرائيل لا يُصلُّون إلا في كنائسهم وكانت ظاهرة، فلما أُرسل موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخُرّبت كلها ومنعوا من الصلاة، فأوحى الله إلى موسى وهارون أن اتخذا وتخيرا لبني إسرائيل بمصر بيوتا؛ أي صلّوا في بيوتكم سرا لتأمنوا، وذلك حين أخافهم فرعون. فأمروا بالصبر واتخاذ المساجد في البيوت، وكان من دينهم أنهم لا يصلّون إلا في البيع والكنائس ما داموا على أمن، فإذا خافوا فقد أذن لهم أن يصلوا في بيوتهم [1] ،فلمّا خافوا على أنفسهم (أمروا أن يصلوا في بيوتهم في خفية من الكفرة لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم، كما كان المسلمون على ذلك في أول الإسلام بمكة) [2] .
إنّ الإستبداد الذي تميزت به شخصية فرعون بيّن في قوله تعالى:''فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم'' [3] ،أي فلما جاءهم-موسى عليه السلام- بالبرهان القاطع الدال على أن الله عز وجل أرسله إليهم أعاد القتل على بني إسرائيل عقوبة لهم فيمتنع الإنسان من الإيمان، أي أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلون بهم أولا كي يصدوا عن مظاهرة موسى عليه السلام [4] .
إنّ من معاني الإستبداد أنّ الحق والحقيقة والبرهان ... يقابلها القتل، ودلّ على ذلك قولُه تعالى:''فأراد فرعون أن يستفزهم من الارض'' [5] ، أي يستخفهم ويزعجهم و يخليهم منها ويزيلهم عنها وينفيهم من الأرض أرض مصر أو الأرض مطلقا بالقتل والاستئصال أو الإبعاد [6] ،فعدل فرعون عن الجدال بالحجة الى الإرهاب بالقوة. (قال العلماء وفي هذه الآية تنبيه على نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنّه لما خرج موسى فطلبه فرعون هلك فرعون وملك موسى، وكذلك أظهر الله نبيه بعد خروجه من مكة حتى رجع اليها ظاهرا عليها) [7] ،وفي هذا بشرى للمطاردين والملاحقين من المسلمين أن الفرج قريب، فما تزيدنا هذه الملاحقة إلاّ تمسكا بعقيدتنا وجدّية في انتمائنا وتنقية لصفوفنا ونفوسنا ... فكأنّ نتائج هذه المجاهدة مؤهلات لاستحقاق النّصر الموعود من الله جلّ شأنه.
(1) انظر: تفسير القرطبي (8/ 371،372) وتفسير الثعالبي (2/ 189) وتفسير الواحدي (1/ 506) وروح المعاني (11/ 171) .
(2) تفسير النسفي (2/ 139) .
(3) [غافر:25] .
(4) انظر: تفسير القرطبي (15/ 305) وتفسير البيضاوي (5/ 89) وتفسير ابن كثير (4/ 77) وتفسير الطبري (24/ 56) .
(5) [الإسراء:103] .
(6) انظر: تفسير البيضاوي (3/ 470) وتفسير القرطبي (10/ 338) وتفسير ابن كثير (3/ 68) ومعاني القرآن (4/ 203) وتذكرة الأريب في تفسير الغريب (1/ 310) .
(7) زاد المسير (5/ 95) ،وانظر: روح المعاني (15/ 2) .