غيري لأجعلنّك من المسجونين'' [1] .ذلك أنّه لمّا قامت الحجة على فرعون بالبيان والعقل عدل إلى أن يقهر موسى بيده وسلطانه، وعدل إلى التهديد بدلا عن المحاجة بعد الإنقطاع وهكذا ديدن المعاند المحجوج [2] الذي لا يقبل رأيا آخرا ولا يسمح لأيّ إنسان أن يتنفس.
وللإستبداد وسائله التي بها يخرس كل صوت ويقتل كل فكر، فها هو فرعون يلوّح لموسى بالعصا الغليظة المعهودة عند أولئك المستعبدين في ظل فرعون المستبد، يسلطها في وجه موسى عليه السلام،''لأجعلنّك من المسجونين''، (أي لأجعلنّك ممن عرفت أحوالهم في سجوني حيث كان يطرحهم في هوة عميقة حتى يموتوا ولذلك لم يقل لأسجننك) [3] ،فسجونه معروفة معهودة، تنشر الرعب وتُسكت الأصوات! وهكذا تنتشر السجون في كل مرة تحكم فيها شخصية مستبدة، وبهذا-أيضا-نفسر حجم الشدة التي يُقمع بها أصحاب الدعوة الإسلامية في هذا الزمان.
وبحجم الإستبداد الممارس من قبل فرعون-ومن شاكله-كانت سجونه مرعبة مخيفة، (فسجنه أشد من القتل لأنّه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فردا لا يسمع ولا يبصر فيه شيئا) [4] ، (وكان إذا سجن أحدا لم يخرجه حتى يموت) [5] ،ليكون لمن تُسوّل له نفسه رفع رأسه برأي عبرة!
ومن الأدلة على استبداده قوله عز وجل:''فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم'' [6] ،ومعنى الآية الكريمة أنّه (ما آمن له عليه السلام في مبدأ أمره إلا ذرية من قومه أي إلا أولاد بعض بني إسرائيل، حيث دعا عليه السلام الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون وأجابته طائفة من شبانهم فالمراد من الذرية الشبان.
ووجه آخر في الآية أنّ المؤمنين من غير بني إسرائيل-إذا كان الضمير في قومه عائدا إلى فرعون لا إلى موسى-أي من القبط قوم فرعون، كمؤمن آل فرعون. وفي إطلاق الذرية على هؤلاء نوع خفاء.
ورجح بعضهم أن بني إسرائيل كانوا في قهر فرعون، وكانوا قد بُشروا بأنّ خلاصهم على يد مولود يكون نبيا صفته كذا وكذا، فلما ظهر موسى عليه السلام إتبعوه، ولم يعرف أنّ أحدا منهم خالفه، والمراد حينئذ فما أظهر إيمانه وأعلن به إلا ذرية من بني إسرائيل دون غيرهم فإنهم أخفوه ولم يظهروه بسبب خوفهم من فرعون وملئه، وربما بسبب خوفهم من أشراف بنى إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم.
(1) [الشعراء:29] .
(2) انظر: تفسير البيضاوي (4/ 176) وتفسير ابن كثير (3/ 334) وتفسير الطبري (19/ 70) .
(3) تفسير ابي السعود (6/ 240) وانظر: تفسير النسفي (3/ 183) وروح المعاني (19/ 73) .
(4) تفسير البغوي (3/ 358) وانظر: تفسير الجلالين (1/ 482) وتفسير النسفي (3/ 183) وروح المعاني (19/ 73) .
(5) فتح القدير (4/ 98) .
(6) [يونس:83] .