ومهما كان العبد المستقيم في ضنك، وشدة، وضيق؛ بل لو عاش حياته كلها في ظاهرها الشقاء المادي؛ من قلة في المال والرزق والولد ونحوه؛ بل حتى لو عُذَّبَ واضطهد وسجن وقتل وشرد، فإن غمسه في الجنة تنسيه كل ما فات! قال - صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بأشد الناس كان بلاء في الدنيا من أهل الجنة فيقول: اصبغوه صبغة في الجنة. فيصبغونه فيها صبغة، فيقول الله عز وجل: يا ابن آدم: هل رأيت بؤسًا قط أو شيئًا تكرهه؟ فيقول: لا وعزتك، ما رأيت شيئًا أكرهه قط. ثم يؤتى بأنعم الناس كان في الدنيا من أهل النار فيقول: اصبغوه فيها صبغة. فيقول: يا ابن آدم: هل رأيت خيرًا قط، قرة عين قط؟ فيقول: لا وعزتك ما رأيت خيرًا قط، ولا قرة عين قط» [1] .
فإذا كانت غمسة واحدة في الجنة تكفي لإزالة كل ما عاشه من هم وضيق وشدة وفقر، فكيف بالخلود فيها؟ بل كيف برؤية الله - عز وجل - التي هي أغلى وأعز ما في الجنة؟! نسأل الله من فضله؛ فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه تلا قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه،
(1) الحديث أصله في صحيح مسلم عن أنس - رضي الله عنه -، انظر: «مختصر مسلم» 1986 بلفظ آخر مقارب، وهذه الرواية من السلسلة الصحيحة 1167. وللإمام ابن رجب كلام جميل في حفظ الله تعالى للعبد في دينه ودنياه، وأنه لا يلزم من قلة المال والجاه شقاء العبد بل قد يكون الفقر سببًا لسعادته فانظره في «جامع العلوم والحكم» ج 1 ص 468 - 470.