فهرس الكتاب

الصفحة 2924 من 11044

فَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ يُخْلَقُ خِلْقَةً مُنَاسِبَةً لِمُرَادِ اللَّهِ مِنْ إِرْسَالِهِ، وَاللَّهُ حِينَ خَلَقَهُ عَالِمٌ بِأَنَّهُ سَيُرْسِلُهُ، وَقَدْ يَخْلُقُ اللَّهُ نُفُوسًا صَالِحَةً لِلرِّسَالَةِ وَلَا تَكُونُ حِكْمَةٌ فِي إِرْسَالِ أَرْبَابهَا، فالاستعداد مهيّيء لِاصْطِفَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ مُوجِبًا لَهُ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ: إِنَّ الِاسْتِعْدَادَ الذَّاتِيَّ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلرِّسَالَةِ خِلَافًا لِلْفَلَاسِفَةِ، وَلَعَلَّ مُرَادَ الْفَلَاسِفَةِ لَا يَبْعُدُ عَنْ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ سِينَا فِي «الْإِشَارَاتِ» إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا فِي النَّمَطِ التَّاسِعِ.

وَفِي قَوْلِهِ: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ بَيَانٌ لِعَظِيمِ مِقْدَار النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَنْبِيهٌ لِانْحِطَاطِ نُفُوسِ سَادَةِ الْمُشْرِكِينَ عَنْ نَوَالِ مَرْتَبَةِ النُّبُوءَةِ وَانْعِدَامِ اسْتِعْدَادِهِمْ، كَمَا قِيلَ فِي الْمَثَلِ «لَيْسَ بِعُشِّكِ فَادْرُجِي» .

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: رِسالاتِهِ- بِالْجَمْعِ- وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ- بِالْإِفْرَادِ- وَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ الْجِنْسَ اسْتَوَى الْجَمْعُ وَالْمُفْرَدُ.

سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ.

اسْتِئْنَاف ناشىء عَنْ قَوْلِهِ: لِيَمْكُرُوا فِيها [الْأَنْعَام: 123] وَهُوَ وَعِيدٌ لَهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ: لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ.

فَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ أَجْرَمُوا أَكَابِرُ الْمُجْرِمِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: بِما كانُوا يَمْكُرُونَ فَإِنَّ صِفَةَ الْمَكْرِ أُثْبِتَتْ لِأَكَابِرِ الْمُجْرِمِينَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ، وَذِكْرُهُمْ بِ الَّذِينَ أَجْرَمُوا إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِأَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: سَيُصِيبُهُمْ صَغَارٌ، وَإِنَّمَا خُولِفَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت