ـــــــــــــــــــــــــــــ
= بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجده شيئًا، فكتب إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يخبره، فكتب إليه ما أخاله إلَّا قد صدق، خلّ بينه وبين مجالسة الناس. وقد علق الحافظ ابن بطة على قصة صبيغ هذه، وما فعله معه أمير المؤمنين رضي الله عنه تعليقًا رأيت في نقله وذكره هنا فائدة كبيرة، قال: وعسى الضعيف القلب، القليل العلم من الناس إذا سمع هذا الخبر وما فيه من صنيع عمر رضي الله عنه أن يتداخله من ذلك ما لا يعرف وجه المخرج عنه فيكثِّر هذا من فعل الإِمام الهادي العاقل رحمة الله عليه فيقول: كان جزاء من سأل عن معاني آيات من كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ أحب أن يعلم تأويلها أن يوجع ضربًا وينفى، ويهجر ويشهر؟! وليس الأمر كما يظن من لا علم عنده، ولكن الوجه فيه غير ما ذهب إليه الذاهب، وذلك أن الناس كانوا يهاجرون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته ويفدون إلى خلفائه من بعد وفاته ليتفقهوا في دينهم، ويزدادوا بصيرة في إيمانهم، ويتعلموا علم الفرائض التي فرضها الله عليهم، فلما بلغ عمر رحمه الله قدوم هذا الرجل المدينة، وعرف أنه سأل عن متشابه القرآن، وعن غير ما يلزمه طلبه مما لا يضره جهله، ولا يعود عليه نفعه علم أن مسائله أنه رجل بطال القلب، خالي الهمة عما افترضه الله عليه، مصروف العناية إلى ما لا ينفعه، فأراد أن يكسره عن ذلك ويذهل، ويشغله عن المعاودة لمثل ذلك.
فإن قيل: وهل كل من حلق رأسه يجب عليه ضرب عنقه؟ والجواب: أني أقول لك من مثل هذا أتى الزائغون، وبمثل هذا بلي المنقرون الذين قصرت هممهم، وضاقت أعطانهم عن فهم أفعال الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين، فلم يحسوا بموضع العجز من أنفسهم، فنسبوا النقص والتقصير إلى سلفهم، وذلك أن عمر رضي الله عنه كان قد سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: يخرج قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول الناس، يقرؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإِسلام كما يمرق السهم من =