فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 676

الذي كان قد توجه إلى بغداد طالبًا المساعدة لاستعادة طرابلس، إلا أنه خاف أن تؤخذ منه دمشق فشرع في مهادنة الصليبيين سرًا وأما تانكرد الذي عسكر أمام شيزر فإنه تراجع إلى أفامية، وأرسل إلى الملك بلدوين يستنجد به، فاستجاب له هذا وبعث إلى سائر الفرسان في الشرق الصليبي ليلحقوا به فانضم إليه عدد كبير منهم، كما قام تانكرد باستدعاء أتباعه من سائر جهات إنطاكية.

وأما مودود فقد تحصن خلف أسوار شيزر قبل أن يكتمل حشد الصليبيين الذين بلغ عددهم نحو ستة عشر ألف مقاتل كان على رأسهم ملك بيت المقدس، وأمراء الرها وإنطاكية وطرابلس، ورفض مودود أن يجَّروه أعداؤه إلى معركة حاسمة. إلا أن الأمور لم تجر على نحو طيب في جيشه، إذ إن طغتكين لم يشأ أن يبذل له المساعدة إلاَّ بعد أن تعهد مودود بالمضي في حملته إلى الجنوب لقتال الصليبيين في فلسطين رغم خطورة هذه المحاولة من الناحية العسكرية وأما برسق الكردي فأصابه المرض وأراد أن يعود إلى بلاده، ومات سقمان القطبي فجأة فانسحبت عساكره صوب الشمال حاملة جثمانه، وبادر أحمديل إلى الإنسحاب بعساكره محاولًا انتزاع جانب من ممتلكات سقمان ولم يعد يوسع مودود القيام بالهجوم نظرًا لتناقض قواته يومًا بعد يوم كما أنه لم يكن راغبًا في أن يقضي الشتاء بعيدًا عن الموصل، فقفل عائدًا إليها [1] . كان لتلك البوادر السيئة من قبل بعض الأمراء أثرها المباشر على إمكان تحقيق أي نصر حاسم ضد الصليبيين، كذلك الذي حققه جكرمش وسقمان في معركة البليخ. وقد أظهرت هذه الأحداث مدى تفكُّك القيادات الإسلامية وعدم وحدتها، في الوقت الذي تجمعت فيه القوى الصليبية في شمالي الشام وجنوبه، وحققت لبلدوين ملك بيت المقدس نوعًا من الزعامة على سائر أمراء الصليبيين [2] .

كانت سياسة رضوان في إمارة حلب شرًا كلها، فقد هادن الإسماعيلية والصليبيين، وحالفهم ضد خصومهم من المسلمين، إذ انضم إلى صاحب أنطاكية الصليبي ضد صاحب الموصل جاولي عام 501هـ وعندما هاجم الأمير مودود صاحب الموصل أنطاكية وتل باشرن رفض رضوان مساعدته وأغلق مدينة حلب في وجهه بل تحالف مع"تنكرد"الصليبي صاحب أنطاكية ضد المجاهدين، وبقيت أبواب المدينة مغلقة سبع عشرة ليلة في وجه الجيش الإسلامي [3] ، ولم يحفظ له الصليبيون هذه المواقف فحاصروا حلب عام 504هـ واشتد الحصار، حتى أكل الناس الميتات وورق الشجر، وفرضوا على رضوان مبلغًا من المال كان

(1) مرآة الزمان (8/ 35 - 36) المقاومة الإسلامية عماد الدين ص 118.

(2) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي ص 118.

(3) زبدة الحلب (2/ 159) الجهاد والتجديد ص 119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت