فهرس الكتاب

الصفحة 591 من 676

مليئة بالعبارات الصادقة بكل مشاعر الحب والإخلاص للتخفيف عنه من صعوبة هذا الحصار ومشاركته أحزانه وآماله فكان يشجعه فيها ويحثه على الصبر ويقوي من عزيمته لمواصلة الجهاد وعدم اليأس، وعدم القنوط من رحمة الله وكرمه، ويدعوه للتمسك بالأمل في نصر الله وكانت هذه العلاقة مبنية على الأخوة في الله ووحدة الهدف، وليست قائمة على تابع ومتبوع وسيد وخادم، فجاء في إحدى هذه الرسائل: ولا يكره المولى أن تطول مدة الابتلاء بهذا العدو فثوابه يطول، وحسناته تزيد، وأثره في الإسلام يبقى، وفتوحاته بمشيئة الله يعظم موقعها، والعاقبة للتقوى ولينصرن الله من ينصره، والله تعالى يشكر لمولانا جهاده بيده وبرأيه بولده وبخاصته وبعامة جنده [1] . وكان من ضمن الرسائل الأخرى التي كان يرسلها القاضي الفاضل إلى صلاح الدين تلك التي أوضح فيها اعتذاره عن تأخر وصول الأسطول المصري إلى الشام بالإمدادات التي طلبها صلاح الدين من مصر، موضحًا أن ذلك مرجعه اشتداد الرياح المعاكسة وليس تقصيرًا منه [2] .

ومما لا شك فيه أن هذه الرسالة تعتبر تأكيدًا للدور الذي كان يقوم به في مصر هذا القاضي الأجل وغيره من الفقهاء والعلماء لمساعدة صلاح الدين وتأمين مستلزمات وتموين الجند المحارب معه بعكا [3] وجدير بالذكر أن القاضي كان يحاول بكل الطرق والوسائل الممكنة أن يساعد صلاح الدين والمسلمين أثناء هذا الحصار، فأرسل إلى الخليفة العباسي ببغداد كتابًا يستحثه فيه بأقوى العبارات وأوقعها على النفس والقلب، مهيبًا به أن يقف بجانب صلاح الدين والمسلمين في هذا الموقف الصعب، نصرة لدين الله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وإعلاء لشأن المسلمين، ولعل أقوى العبارات التي أوردها في هذا الكتاب قوله مناشدًا الخليفة: فيا عصبة محمد عليه السلام، أخلفه في أمته بما تطمئن به مضاجعة، ووفه الحق فينا، فأنا والمسلمون عندك ودائعه، وما مثل الخادم نفسه في هذا القول إلا بحالة عبد لو أمكنه لوقف بالعتبات ضارعًا وقبل ترابها خاشعًا وناجاها بالقول صادعًا ولو رفعت عنه العوائق لهاجر وشافه طبيب الإسلام بل مسيحه بالداء الذي خامر، ولو أمن عدو الإسلام أن يقول قولًا آخر لسافر، ولولا أن في التصريح ما يعود على العدالة بالتجريح لقال مايبكي العيون وينكي القلوب ولكنه صابر محتسب منتظر لنصر الله مرتقب، قائم من نفسه بما يجب [4] وعلى ذلك تجاوز القاضي الفاضل بالسلطان صلاح الدين تلك المحنة القاسية، التي مرت به عكا، وكان وحده بمثابة جيشًا ثانيًا يحارب جنبا

(1) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدنى ص 169.

(2) المصدر نفسه ص 169.

(3) المصدر نفسه ص 169.

(4) دور العلماء والفقهاء المسلمين في الشرق الأدنى ص 170.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت