فقد أقام فرسان الداوية غربي المسجد الأقصى أبنية للسكنى، وأدخلوا بعض الأقصى في أبنيتهم، وبنوا على وجه المحراب جدارًا وتركوه مخزنا للغلة، وقيل اتخذوه مستراحًا قاصدين بذلك طعن الإسلام والمسلمين [1] كما بنوا على الصخرة في بيت المقدس كنيسة وستروها بالأبنية، وملؤوها بالصور، ونصبوا عليها مذبحًا، وعينوا بها مواضع الرهبان كما أقاموا على رأس قبة الصخرة صليبًا كبيرًا وغير ذلك حتى غيروا معالمها. وقام الطامعون منهم بقطع قطع منها وبيعها في أسواق القسطنطينية، وجزيرة صقلية بوزنها ذهبًا [2] ، فلما كان يوم الجمعة سبط شعبان 583هـ/9 أكتوبر 1187م وهي الجمعة التالية للجمعة التي دخل فيها المسلمون بيت المقدس، أمر صلاح الدين بإزالة ما استحدثه الصليبيون من الأبنية والأسوار وكشف الجدار الساتر للمحراب، كما أمر بإزالة ما استحدثوه على قبة الصخرة المقدسة من مبان وصور، ثم أمر الفقيه ضياء الدين الهكاري بأن يكون أمينًا عليها وأدار عليها شبابيك من حديد [3] ، أما بالنسبة للصليب الذهبي الذي أقامه الصليبيون على قبة الصخرة، فيذكر ابن واصل أن المسلمين ما أن دخلوا البلد حتى تسلق جماعة منهم إلى أعلى القبة واقتلعوا الصليب، الذي سقط وعند ذلك؛ صاح الناس كلهم صوتًا واحدًا، من البلد ومن ظاهره. المسلمون والفرنج، أما المسلمون فكبروا فرحًا، وأما الفرنج فصاحوا توجعًا وتفجعًا [4] .
ولما فرغ صلاح الدين من إزالة ما استحدثه الصليبيون داخل بيت المقدس بدأ بعمارة المسجد الأقصى، فبذل جهدًا كبيرًا في تحسينه وترصيفه وتدقيق نقوشه، فأحضر له من الرخام مالا يوجد مثله ومن الفص المذهب القسطنطيني وغير ذلك من المواد للتزيين مالا يمكن وصفه، وشرع في عمارته، وتزيينه وإزالةما على جدرانه من الصور والتماثيل [5] وخص صلاح الدين المحراب باهتمام كبير، فعمل على ترخيمه وتزيينه [6] ، وتقدم السلطان في المسجد الأقصى ببسط العراص وإخلائها لأهل الإخلاص، وتنظيفها من الأدناس، وكنس ما في أرجائها من الأرجاس [7] ، وأحضر الملك المظفر تقي الدين عمر إلى قبة الصخرة أحمالًا من ماء الورد وتولى بيده كنس ساحتها وعراصها، ثم غسلها بالماء مرارًا حتى تطهرت، ثم أفاض عليها ماء الورد، وطهر حيطانها وغسل جدرانها، ثم بخرها بمجامر الطيب وجاء الملك
(1) كتاب الروضتين نقلًا عن صلاح الدين والصليبيون ص 222.
(2) مفرج الكروب (2/ 227 - 229) صلاح الدين والصليبيون ص 222.
(3) مرآة الزمان نقلًا عن صلاح الدين والصليبيون ص 222.
(4) المصدر نفسه ص 222.
(5) صلاح الدين والصليبيون ص 223.
(6) المصدر نفسه ص 223.
(7) كتاب الروضتين نقلًا عن صلاح الدين والصليبيون ص 224.