على القتال ببسالة وشجاعه [1] نادرة وقد كانت شخصية صلاح الدين محببة لأهل التصوف، فقد سلك طريق الزهد، كما أنه لم يحفظ ما تجب عليه الزكاة ولم يُخلَّف في خزانته إلا سبعًا وأربعين درهمًا ناصرية وجرامًا واحدًا ذهبًا، ولم يخُلفَّ مُلكًا ولا دارًا ولا عقارًا ولا بستانًا، ولا شيئًا من أنواع الأملاك، وقِنع من الدنيا في ظلَّ خيمة تهبّ بها الرياح ميمنة وميسرة [2] ، وكان صلاح الدين يستوي عنده الذهب والمدر (الطين) فقد قال ابن شداد: وسمعت في معرض حديث جرى يمُكن أن يكون في الناس من ينظر إلى المال كما ينظر إلى التراب فكأنه أراد بذلك نفسه [3] ، والروايات كثيرة تؤكّد زهد صلاح الدين وتقشُّفه في مأكله وملبسة بينما يُغدق كرمه على الفقهاء والصوفية، ويوقف القُرى بما تملك من موارد وأرباح خدمة للزوايا ودور الفقراء [4] ، وبنى صلاح الدين الخانات في الأماكن المنقطعة، البعيدة عن العمران، وفي الطرق الموصلة بين المدن، وذلك لخدمة أبناء السبيل والمسافرين، وقد شاهد ابن جبير الخان الذي بناه صلاح الدين في الطريق بين حمص ودمشق، وكان يسمى بـ"خان السلطان،"كذلك بنى الأمير بهاء الدين قراقوش خان السبيل [5] .
وقد اهتم صلاح الدين بجذب العلماء وكذلك بجذب الصوفية فأنشأ لهم أول"خانقاه"للصوفية في مصر وجعلها"برسم الفقراء الصوفية الواردين من البلاد الشاسعة"ووقف عليهم أوقافًا جليلة وولى عليهم شيخًا يدبر أمورهم عرف: بشيخ الشيوخ، ويذكر المقريزي: أن سكانها من الصوفية كانوا معروفين بالعلم والصلاح، وأن عدد من كان بها بلغ الثلاثمائة وقد رتب لهم السلطان الخبز والحلوى في كل يوم، وأربعين درهمًا في العام ثمن كسوة، وبنى لهم حمامًا بجوارهم، ومن أراد منهم السفر، أعطي نفقة تعينه على بلوغ غايته [6] ، وهذه العناية بأمور الصوفية، كانت تستهدف أهدافًا منها ما هو متعلق بحركة الأحياء السني، فعلى الرغم من أن التصوف المعتدل كان اتجاهًا له احترامه من قبل الحكام وعامة الناس في ذلك العصر، إلا أن الاهتمام به على هذا النحوفي مصر بالذات كان عملًا مقصودًا، ويهدف
(1) النوادر السلطانية ص 6، 16.
(2) البطولة الفداء ص 107.
(3) تاريخ الأيوبيين ص 215.
(4) البطولة والفداء ص 108.
(5) المواعظ والاعتبار (2/ 415 - 416) .
(6) التاريخ السياسي والفكري ص 240.