مذهب أهل السنة والحديث، ولكن لما كثر جداله معهم ورده عليهم ومناظرته لهم بالطرق القياسية، سلَّم لهم أصولا هم واضعوها، فمن هنا دخلت البدعة في طريقته [1] ، وكان ابن كلاب قد أحدث مذهبًا جديدًا، فيه ما يوافق السلف وفيه ما يوافق المعتزلة والجهمية [2] ، وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله: كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:
فأهل السنة والجماعة يُثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤوها ويقدر عليها، والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا، فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها [3] ، ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي وأبو الحسن الأشعري [4] ، وهذا الأصل الذي أحدثه ابن كلاب دفع الإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السلف إلى أن يحذروا منه ومن أتباعه الكلابية [5] ، وهذه الطريقة التي أحدثها ابن كلاب البصري لم يسبقه إليه غيره، ووافقه عليها الأشعري وردَّ من خلالها على الجهمية والمعتزلة [6] .
الطور الثالث: مكث الأشعري زمنًا على طريقة ابن كلاب يرد على المعتزلة وغيرهم من خلال ما اعتقده في هذه الطريقة ولكن الله تعالى مَنَّ عليه بالحق فنَّور بصيرته وذلك بالرجوع التام إلى مذهب أهل السنة والجماعة، والتزام طريقتهم، واتباع منهجهم ومسلكهم وكان هذا هو الذي أراد أن يلقى الله تعالى عليه، متبرئًا من المذاهب التي عاشها، وداعيًا إلى طريقه السلف ومذهبهم، ومنتسبًا إلى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وهذا الطور نظرًا لأهميته في المجتال الاعتقادي فقد أثبتناه له - بعد توفيق الله بثلاثة وجوه [7] :-
الوجه الأول: أقوال العلماء: لقد شهد كثير من العلماء والأئمة برجوع الأشعري الرجوع التام إلى مذهب السلف الصالح، وهؤلاء الأئمة ما قالوا هذه الشهادة إلا بعد أن سبروا حياته وعرفوا ما كان عليه وما استقر عليه. ومن هؤلاء العلماء [8] .
(1) المصدر نفسه ص 43.
(2) المصدر نفسه ص 44.
(3) الفتاوى (13/ 131 - 154) .
(4) موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول (2/ 4 - 5) على هامش منهاج السنة.
(5) مجموع الفتاوى (12/ 368) .
(6) شعبة العقيدة بين أبي الحسن الأشعري ص 45.
(7) شعبة العقيدة بين أبي الحسن الأشعري والمنتسبين إليه ص 47.
(8) المصدر نفسه ص 47.