فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 676

ولا يتغير عليه، وكان بساطه يُداس عند التزاحم عليه لَعرض القصص، وهو لا يتأثر بذلك، ويذكر ابن شداد أنه نفرت بغلته يومًا من الجمال وهو راكب في خدمته، فزحمت وركه حتى آلمته وهو يبتسم [1] وكان صلاح الدين قدوة حسنة لأتباعه، يبدأ العمل بنفسه ثم يدعو غيره للاقتداء به، وينُّم تصرفه هذا عن إدراك سليم، وما ذلك إلا لأنه فَهِمَ أن المكان الأسمي في أي مجتمع إنما هو للعاملين والعمل هو أسَاس التقييم للأفراد والجماعات، وهو محور كل العلاقات الاجتماعية، وبسبب هذا فقد أحبه الناس العامة منهم والخاصة، وتفانوا في خدمته والتعاطف معه وكانت هذه المحبة هي سر نجاحه، وقوته، لأن ما كسبه غيره باستعمال أساليب القسوة والترهيب، حصل عليه هو بالمحبة والتعاطف والسلوك السليم [2]

وكان أصحابه، يتشبَّهون به، ويتسابقون إلى المعروف، كما قال تعالى:"ونزعنا ما في صدورهم من غِلَّ" (سورة الحجر، آية: 47) ، فعندما قرَّر بناء سور القدس وحفر خندقه، تولى ذلك بنفسه، ونقل الأحجار على عاتقه، وتأسى به جميع الناس الفقهاء والأغنياء والأقرباء والضعفاء، فاحترمه الناس من أجل ذلك، وفي عام 587هـ/1191م، قدم معز الدين قيصر شاه بن قلج أرسلان صاحب بلاد الروم، إلى السلطان صلاح الدين، فأكرمه وزوَّجه بابنة أخيه العادل، ولما ركب صلاح الدين ليودعه ترجَّل معز الدين له، فترجَّل صلاح الدين، ولما ركب السلطان، عضده معز الدين وأركبه وكان علاء الدين بن عز الدين صاحب الموصل مع السلطان آنذاك، فسَّوى ثيابه أيضًا، فقال بعض الحاضرين هامسًا وهو يتعجب من هذا الاحترام الشديد لصلاح الدين: ما تُبالي يا ابن أيوب أي موتة تموت، يُركَّبك ملك سلجوقي، وابن أتابك زنكي [3] وفهذا شيء موجز عن الرصيد الخلقي لمؤسس الدولة الأيوبية.

وقد اتصف صلاح الدين بمجموعة من الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة، من علو الهمة، والحزم، والإدارة القوية، والقدرة على حل المشكلات، وعلى التخطيط والتوجيه والتنظيم والمراقبة، وغير ذلك من الصفات، وبسبب ما أودع الله فيه من الصفات الربانية استطاع أن يوحد الشام والموصل ومصر، وغيرها من البلدان تحت زعامته وأن يحقق الانتصار الكبير على الصليبيين في حطين وأن يسترد بيت المقدس، فقد توجب جهوده الفذة بنتائج كبيرة على مستوى الفرد، والمجتمع، والدولة وأصبح مشروعه المقاوم للتغلغل الباطني والغزو الصليبي منارًا للعاملين على مجد الإسلام وقد كشف صلاح الدين يومًا عن مصدر قوته في حديثه مع ابنه الملك الظاهر غازي، وهو في بيت المقدس بعد أن أجرى الصلح مع

(1) النوادر السلطانية ص 63.

(2) تاريخ الأيوبيين في مصر وبلاد الشام ص 225 ..

(3) الكامل في التاريخ نقلًا عن تاريخ الأيوبيين ص 225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت