أحاط بالعالم الإسلامي من قِبل الصليبيين، فقد استطاع أن يوجه الظروف التاريخية القائمة لصالح المسلمين، وذلك بتجميعه القوى الإسلامية بعد القضاء على عوامل التجزئة والانقسام وتوحيد المدن والإمارات المنفصلة في نطاق دولة واحدة استطاع بمقدرته أن يستغل أقصى ما يمكن أن تقدمه من إمكانات في سبيل تحقيق برنامجه المزدوج أن تشكيل الجبهة الإسلامية وضرب الصليبيين وقد فصلت ذلك في حديثي عن عماد الدين زنكي في كتابي عن الدولة الزنكية ويعتبر فتح الرها من أهم إنجازات عماد الدين زنكي، فقد كانت إمارة الرها الصليبية أولى الإمارات التي تأسست في الشرق سنة 491هـ/1097م بزعامة بلدوين الأول الذي استمر في حكم هذه الإمارة حتى سنة 494هـ/1100م حين انتقل إلى حكم بيت المقدس عقب وفاة جورفرى ملك بيت المقدس [1] . وقد تميزت الرها عن بقية الإمارات الصليبية بموقعها في الحوض الأوسط لنهر الفرات حيث تحملت عبء الدفاع عن بقية الإمارات الصليبية في بلاد الشام، وذلك لقربها من الخلافة العباسية ثم لوقوفها في وجه التركمان الذين كانت تعج بهم منطقة الجزيرة عقب التفكك الذي أصاب السلاجقة في بلاد الشام والعراق عقب وفاة السلطان ملكشاه 485هـ/1092م [2] ، ولم تقتصر أهمية الرها على موقعها الاستراتيجي وكونها خط الدفاع الأول عن بقية الإمارات الصليبية في بلاد الشام بل إنها شكلت خطرًا أساسيًا على خطوط المواصلات الإسلامية بين الشام وآسيا الصغرى والعراق ومنطقة الجزيرة [3]
وعلى الرغم من أن الرها لم تقع في نطاق الأراضي المقدسة في فلسطين فقد عدها الصليبيون من أشرف المدن عندهم بعد بيت المقدس وأنطاكية والقسطنطينية، وفيرة الثروات ساعدات أمراء الرها على توسيع رقعتهم فامتدت إمارة الرها الواقعة على ضفتي نهر الفرات من راوندان وعين ثاب غربًا إلى مشارق ومن بهنسي وكيسوم شمالًا إلى منبج جنوبًا [4] واكتسبت الرها أهمية بما تهيأ لها من حكام اتصفوا بالقوة والشجاعة واستطاعت الصمود في وجه المقاومة الإسلامية، على الرغم أن الرها كانت تعاني من نقطتين ضعف واضحتين أحدهما الحدود الطبيعية إذ لا توجد لها موانع طبيعية تحميها وتكسبها وقاية ومناعة وثانيها عدم وجود تجانس بين سكانها إذ كانوا خليطًا من المسيحيين الشرقيين
(1) الكامل في التاريخ نقلًا عن الجهاد ضد الصليبيين في الشرق ص 230.
(2) سلاجقة إيران والعراق، وعبد المنعم حسين ص 84.
(3) إمارة الرها علية الجنزوي ص 34 ..
(4) الحركة الصليبية (1/ 424) الجهاد ضد الصليبيين ص 230.