فجاءت وصاياه بشأن توزيع الملكية ترغيبا لا يبلغ حد الإلزام بل لعله - وهو يرسل هذه الوصايا - كان ينظر إلى مستقبل الأمة على مر الأيام. ولذلك رأينا الأحاديث السابقة تحض على التطوع بهذا التوزيع، إذ لم تكن ثمة ضرورات توحى بإجرائه،"حكوميا"وتنفيذه"رسميا"بعد ما كفلت التقاليد الآنفة وقوعه"عمليا"في أغلب الأحيان والأحوال. أما إذا تغيرت النفوس، وحلت الأثرة مكان الإيثار، ونزاحم الناس على المورد المحدود كل يبغى أن يستبد به دون غيره. أما إذا لم تجد إلا شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة. أما إذا لم تجد إلا طبقات مسترقة، وطبقة مؤمرة، فهنا يتدخل القانون - باسم الله ورسوله - ليحقق الحكمة التى عناها القرآن عند تقسيم الملك والمال فقال: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) . من علماء الدين من يرفض بشدة الكلمات التى ظهرت في هذا العصر كالاشتراكية، والتعاونية، والعدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية، وغير ذلك من مصطلحات تشير إلى أنواع النظم التى تتودد إلى الجماهير وتتبنى آمالها في الحياة .. وهؤلاء العلماء يرون أن عنوان"الإسلام"يكفى وحقائقه تغنى. وأن فسح الطريق أمام مصطلحات حديثة ومذاهب جديدة قد يسىء إلى قدرة الدين على إسعاد الناس وشفاء آلامهم. ونحن نفهم هذه النظرة، ونؤيد بواعثها، ونشاركهم الثقة في غناء الإسلام ووفائه المطلق بحاجات الأمم. ولكننا لا نتطير من هذه الأفكار المحدثة، ولا نتجهم لأصحابها، ونحاول أن نرد المعجب منها إلى منابعنا الأولى في تلطف وفهم، لماذا؟ لأن الإسلام نكب على مر الأيام بحكام ليسوا من خيرة أبنائه، استغلوا الحكم لمنافعهم وأمجاد أشخاصهم وأسرهم، وصبغوا هذه التصرفات السيئة بصبغة الدين، والانقياد لتعاليمه. ص_098