"اللهم توفنى فقيرا ولا تتوفنى غنيا واحشرنى في زمرة المساكين، فإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة!."وهذا الكلام واضح في أنه حرب معلنة على الثراء المجلوب من كسب الحرام وأكل السحت، وإيثار للفقر عليه مهما كانت متاعبه.
عندما كان الحكم الفردى المطلق يسود القرون الأولى لم يكن للشعوب وطبقاتها الكادحة شأن يذكر. كانت مقومات الأمم ومقدراتها تلتقى عند سدة حاكم متسلط ينسب له كل شىء ويصدر عنه كل شراء. فإذا أعلن حربا أكلت الأخضر واليابس، وطاحت فيها ألوف الضحايا فرض على الأمة أن تحمل هذه المغارم لتتوج هامته بإكليل النصر، وتسجل اسمه - اسمه وحده - في تاريخ الفاتحين. أما النسوة الثكلى، والشباب الهلكى فليس لهن ولا لهم حساب. وكثيرا ما كانت تقوم حروب عاصفة من أجل مشاكل أسرة مالكة وصلاتها بأسرة أخرى. هذا في عصور الحرب - وما أكثرها -. أما عهود السلم فكانت الأمم! تشقى في حراثة الأرض وإدارة الآلات ليظفر بثمرات عملها اللاغب نفر من الفراعنة والقياصرة والأكاسرة. كان عامة الناس وقودا يحترق في صمت لإشباع هذه المطامع. وكانت جماهير المستضعفين تذوب ماديا وأدبيا في أشخاص السادة الحاكمين .. * * * * فلما جاء الإسلام هدم هذه الخرافات، وبدأ يرد إلى الأمم ثقتها بنفسها وبدأ يفهم كل من له شارة من جاه أنه لا فضل له فيها، وأن حياته لا تخلص له إلا من جهاد أولئك المستضعفين. ص_067