فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 213

أينما رميت ببصرك في جوانب الحياة الداكنة التى نعيش فيها، رأيت شبح الربا ماثلا أمامك. لم يترك عملا اقتصاديا إلا دس فيه أصابعه الصفراء. فالأغنياء يودعون أموالهم في المصارف بالربا، والمصارف تمنح التجار مساعدتها المالية بالربا، والشركات تطرح أسهمها وسنداتها بالربا، والحكومة تعقد القروض الوطنية بالربا، وتقبل وفور الأفراد بالربا، وتحكم قوانينها على المدينين بسداد الربا، وشركات التأمين تبذل عونها في الكوارث المفاجئة على أسامى الربا. وهكذا صح ما يروى عن الرسول:"ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره". والشبكة الربوية العديدة الفروع الطويلة الخيوط المعقدة الاتجاهات المنتشرة في الحياة العامة انتشار الشرايين في الجسم يجب أن ندرك لها خطورتها. فإن إنقاذ الأمة منها ليس بالأمر الهين. وهذه الآلة الدائرة قد وكل إليها كياننا المالى كله، ونحن لا نريد تغيير جزء فاسد منها"بقطعة غيار سليمة"فهى للأسف متماسكة الأجزاء، متشابكة الحركة، فلابد من تحطيمها كلها ووضع نظامنا المالى على دعائم أخرى، تكفل له على عجل حياته وازدهاره، وتصون حاضره ومستقبله. إن التأمل القليل، والتفكير القريب، يكشفان عن وجه الحقيقة في هذه المشكلة. وسنرى عندما نبحث، أن الفساد الخلقى والاجتماعى، وجفاف المعانى الإنسانية من الحياة العامة، ونية الاستغلال والاغتيال عند العاطلين المكتنزين، وقلة الفرص السانحة أمام العاملين المجتهدين، وانعدام العون أو ضآلته لمن يصابون بالنوازل الفادحة. هذا كله هو العامل المباشر لوجود الربا. فهو في الحقيقة مرض الرأسمالية المشربة بالأنانية الحادة والمنافع الشخصية الجارفة. ص_158

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت