وإن خليلى - صلى الله عليه وسلم - عهد إلى أن دون جسر جهنم طريقا ذا دحض ومزلة، وأنا أن نأنى عليه وفى أحمالنا اقتدار واضطمار أحرى أن ننجو من أن نأتى عليه ونحن مواقير. هذا الرجل الأبى آثر الشظف مع زوجته على أن يدخل في دنيا الحكام برضا أو معونة، ولو كان في ذلك الفقر، فهو في منطق الإيمان أدنى إلى النجاة عند الله.
إن الرغبة في إحراز الدنيا وكسب المال لا تقف من الناحية النفسية عند حد، كما أن الشريعة لم تقدر حظوظا معينة من الأرزاق يهدأ المرء بعد نيلها. فالمسلم يستطيع بدافع من طبيعته، وباعث من شريعته، أن يكتسب ما يشاء. بيد أن للمال ضراوة عند المشتغل بجمعه قد تسيطر عليه فتجور على خلقه، والكدح في الحياة ليس معركة مضمونة النتائج دائما. ومن اليسير أن نرى في ميادين الكفاح وراء لقمة الخبز فما فوقها طوائف شتى من الناس تستبد بها عواطف الحزن والفرح واليأس والأمل. وتدخل الدين في هذه الحال ليخفف من مضاعفاتها، ويلطف من غلوائها أمر مفهوم مقبول ... ! إن أى مجتمع في الدنيا لا يخلو من نفر يرى نفسه مهضوم الحق منقوص الحظ، ومهما اجتهدنا في تصحيح الأوضاع وإشاعة العدل فإن الذين يزكون كفايتهم ويتهمون غيرهم لن ينعدموا. فهل يترك الدين هؤلاء فريسة السخط؟ أيقول لهم: انتحروا؟ أيقول لهم: احقدوا؟ أم يوجههم إلى الاحتفاظ بحياتهم واستغلال الفرص المتاحة لهم؟ في هؤلاء يساق النصح المروى عن رسول الله:"يا أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى". ص_065