سيقول بعض الناس: إن هذه المظاهر الجزعة من آثار عدم الثقة في الله! ونقول لهم: بل هى مظاهر الفوضى الاجتماعية التى ليس في بقائها إلا ما يغضب الله. لقد رفض الإسلام أن يقعد الكسالى عن طلب الرزق اعتمادا على هذه الثقة المزعومة. وما دامت بركات السماء لا تنزل في الأيدى المغلولة عن العمل، فهى لا تنزل في المجتمعات المحرومة من قوانين العدالة، وأنظمة التأمين الدقيق لما يصيب الناس من كوارث وضائقات. وهل ينافى الثقة بالله أذا يموت الرجل وهو يدرى أن الأمة التى يعيش فيها سوف تغدو أولاده، وتكسوهم، وتصل بهم إلى أعلى مرحلة يطيقونها من التعليم والتربية، لأن القوانين التى تحكم البلاد تكفل ذلك كله؟ إن المشاعر التى ذكرنا أمثلة لها هنا ليست عواطف فزع هين، بل هى نفثات صدور محرجة يجب أن نستمع شكاياتها بجد وإخلاص. ولنعلم أن الرجل مع مواهبه كالقائد مع جيشه، إذا اضطر إلى الحرب في جبهات عديدة أخطأه التوفيق في أكثرها أو في جميعها. ومواهب الرجال عندنا توزع على غير ميدان من ميادين الحياة المادية المتشعبة. فهى لا تعطى فرصة الاستجمام التى تعينها على هضم الحياة والابتكار فيها وإجادة العظيم المنتج من فنونها. أفلا توفر لها ذلك باسم الله ومن تعاليم دينه؟؟.
القيم الإنسانية في المجتمع المؤمن:
إذا كفلت للناس الضرورات التى يحتاجونها، ومنعت عنهم الزيادات التى يطغون بها سقط المال عن العرش الذى يتربع عليه من قديم. وأصبح أغلب تفاوت الناس راجعا إلى قيمهم الإنسانية وحدها! وهذا كسب عظيم للدين وشوط واسمع إلى أهدافه الفاضلة. فقد بلغ المال منزلة جعلت له في القلوب مرتبة القداسة حتى قال القائل فيه:"لولا التقى لقلت: جلت قدرته"!! ص_055