وهذا ضلال بعيد، فإن السائر في طريق يجهل أن بها هاوية محفورة سيظل يمشى حتى تصل قدمه إلى حافة الهاوية فينزلق لا محالة. ولو أجمع الناس على خطإ ينافى الواقع فإن الواقع لن يتغير قيد أنملة جبرا لخاطر الغافلين عنه. بل سيظل الواقع على حاله حتى يصل الناس إلى معرفته. ولقد كان العالم يوما يجهل أن هناك قارات - لما تكتشف - فهل اختفت هذه القارات المجهولة أم بقيت في مكانها العتيد حتى رست على شطآنها سفائن الملاحين المكتشفين؟ إن الحق لا يغلب على أمره قط، ولكنه يغلب الناس على أوهامهم حتما. ولو نزل الحق على أوهام الناس لحظة لاختلت نظم العالم، ولانقلبت قوانينه الدقيقة إلى فوضى شاملة (أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون * ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن .. ) والقرآن الكريم يذكر عن نفسه أنه جاء للفت أنظار الناس إلى الحق وربط قلوبهم به. وأن آية من آياته لم ترع في معناها ولا في غرضها عن هذا الحق المبين. (و بالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا) .
وقد ألف الناس تنشئة أولادهم على الحقائق التى يعرفونها قلت أو كثرت. فالأستاذ يشرح لتلامذته الصواب والخطأ ويمسكهم بالأول ويجنبهم الثاني. فمن لم يجد من الناشئين من يعرفه ذلك شب جاهلا بجملة من الحقائق. والصغير يعلمه أبواه شيئا من دروس الدنيا فإذا لم يتعلم شب عن الطوق ليواجه الدنيا بعقل صفر من حقائق كثيرة.