فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 213

مشاعر قلقة في مجتمعات مضطربة!

عندما يفقد المجتمع الدعائم المتينة التى يرسى عليها، والقواعد الأمينة التى يثبت فوقها تنفعل نفوس الناس بعواطف محترقة، كلما لفحهم من شقاء الحياة مس الحوادث الكاسرة والآلام القاهرة. وقد حفظ لنا الأدب العربى صورا كئيبة لمشاعر الضيق المكظومة نذكر بعضها هنا مثلا لما يعانيه جمهور الناس، ولا يحسن أن يبينوا عنه بالتعبير الواضح والأسلوب البليغ. هذا رجل لا يعيش لنفسه، فقد فرغ من حظوظ نفسه بعد ما رسا في الحياة كالضرس يطحن الحلو والمر، ويسيغ الخير والشر، ولكنه يعيش لأولاده ويعتصر الجهود المفنية ليقدمها لهم، وهم لا يدركون. هو يحب ابنته ويتحرك قلبه نحوها أبدا. بيد أنه يخشى عوادى الأيام أن تتخطفه، ثم تواجه فتاته وحدها المستقبل المجهول! فهو لذلك يتمنى أن تموت قبل أن يموت! أو يحيا لها ...

وزادنى رغبة في العيش معرفتى ... ذل اليتيمة يجفوها ذوو الرحم!

أحاذر الفقر يوما أن يلم بها ... فيهتك الستر عن لحم وعلى ضم!

تهوى حياتى وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزال على الحرم!

وهذا رجل آخر يريد أن يتنقل في جنبات الأرض، وأن تتقاذفه مناكبها العريضة فتمنعه قيود الأهل والولد من هذه الحركة النشيطة. وتضطره أن يحد من مسلكه وأن يقف به في حدود الدائرة التى تنتهى بأولاد ربطت بعنقه وحده كفالتهم، ونيطت به رعايتهم:

لولا بنيات كزغب القطا ... رددن من بعض إلى بعض

لكان لى مضطرب واسع ... في الأرض ذات الطول والعرض

وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشى على الأرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت