فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 213

إن هذه التكاليف لون آخر من ألوان الجهاد، إنه جهاد مسالم نبيل لا يقوم على سفك الدماء وإزهاق الأرواح، ولكنه يقوم على تجفيف الدموع المراقة، وتخفيف الحسرات المكظومة، وطمأنة القلوب القلقة! بلى إنه جهاد، وقد عد الرسول صاحبه مجاهدا كما سبق في الحديث:"الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله". ومن الضرورى لنجاح هذا الجهاد الداخلى أن نسلك به مسلك زميله الجهاد الخارجى، فنعهد به إلى الدولة، وبذلك تعتبر الدولة مسئولة مسئولية مطلقة عن إطعام كل جائع، ومداواة كل مريض، ومساعدة كل عاجز. ولها تبعا لذلك جباية ما تريد من أموال مختلفة المصادر، كثرت أو قلت ... !!! وليس هذا التفكير جديدا إلا على أبناء العصور الإسلامية المتأخرة! أما العهد الزاهر للخلافة الراشدة الأولى، فقد كان هذا التفكير مألوفا فيه لدى الشعب والحكومة جميعا. وقد رأينا كيف قاتل الخليفة الأول لجمع الزكاة، فهل كان استيلاؤه عليها إلا ليتولى هو نفسه - من حيث إنه حاكم - وضعها في مصارفها المعروفة. وهل هذا إلا إقرار بمبدأ مسئولية الدولة عن التأمين الاجتماعى في بلادها، وقيامها عن الأفراد أو معهم بهذا الواجب؟ ثم جاء"عمر"فزاد في مسئولية بيت المال زيادة جديدة، إذ جعله يكفل العجزة من أهل الكتاب. حدث أن رأى ذميا يسأل فقال له: ما أنصفناك، أخذنا منك الجزية وأنت قادر، ونتركك الآن؟ وأجرى عليه راتبا يغنيه. وفى عصرنا الحاضر اتسعت دائرة التأمين الاجتماعى، وتعقدت مشاكل الحياة، وتعددت أقضية الناس، وزادت مهام الدولة، وتجاوزت وظيفة الحاكم حدودها الساذجة الأولى. فلا جرم أن يتطور الفكر الإنسانى، وأن ننظر إلى الدين لا في نطاق الحوادث الجزئية التى تكلم عنها وحكم فيها، بل في نطاق الروح العامة التى ترمى إلى إسعاد الإنسانية وإلزامها حدود الحق والعدل وإشرابها معنى الأخوة والفضل. ص_053

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت