جانب بثت في نواحيه السدود والقيود، وقلت في آفاقه الحريات والمثل العليا، على حين اهتزت الأرض من حوله بحركات الأحرار، ونتائج عقولهم الخصبة، وآثار أيديهم العاملة، وإقدام نفوسهم الكبيرة. وصحيح أن للحق في بلادنا آيات تتلى وكلمات تتردد وهتافات تشق أجواز الفضاء. ونحن نقول: نعم! وعلام يدل هذا؟ هل الحانث الذى يذكر اسم الله ليحلف به زورا، يعتبر لله ذاكرا وبه عارفا؟! لكأنما تليت آيات الله ليكفر بها ويستهزأ بها!! لقد كانت وظيفة الدين الأولى أن يمهد الطريق أمام الأمم المتعبة المستذلة لتنال الحرية والأمن والكرامة: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض .. ) أما في الشرق الإسلامى الآن فالدين ذريعة للصمت عما يجب الصراخ في وجهه، ووسيلة للركون إلى ما لا ينبغي الركون إليه، ودعامة لأنظمة هى منذ قرون علة التأخر والانحلال. والدين أبعد ما نتصور عن هذا الاحتيال والاستغلال. وسنرى أن صلته بهذه المهازل هى صلة العدو اللدود بالعدو اللدود.
كلمة الدين - في حقيقته المجردة - تساوى كلمة (الإنسانية) في نسقها الأعلى، وقد سلح الله الإنسانية بجناحين تحلق بهما أو تهبط: هما (الفطرة والعقل) .
فإذا استكملت طبيعة الإنسان سلامة الفطرة وحصافة العقل، فقد استكملت من الدين جوهره، واستوعبت أصوله. والرجل الذى تتم فيه معالم الإنسانية تتم فيه معانى الدين.