كما ارتفع بالفلاحين الذين يشقون الأرض، فجعل ما يطعم الناس والدواب والطيور من زراعتهم صدقات ماضية الأجر إلى يوم القيامة. وهكذا يعمل المؤمن للحياة مادام حيا، فتتصل به وبغيره مواكب العمران، وتعتز به وبجهده حقائق الإيمان، فإذا جاءه جاء الموت لينقله من حياة كفاح إلى حياة فلاح، فهو يلقاه مقبلا لا مدبرا. ومتى جاء هذا الموت لم ألف حاجة لنفسى إلا قد قضيت قضاءها!
من تزاوج الغلو في الدين والزهد في الدنيا، ولدت فلسفة التصوف فكان نتاجها العقلى أسوأ ما أصاب التفكير الدينى من شلل وانطفاء. إذ وجد رجال يركبون من أسماء الله وصور العبادات وشتى الأوراد، أدوية للنفوس، كما يركب الدجالون من أدعياء الطب أدوية الأجسام من العقاقير والحشائش المجهولة فتريح الناس لا من آلام المرض بل من تكاليف الحياة نفسها. وعلى هذا النمط شرع رجال التصوف من الدين ما لم يأذن به الله، ووصفوه للأعم على أنه العلاج الناجح فكان السم الناقع إذ دخل به على صميم الدين فساد كبير. وقد شعر أئمة الإسلام بما تنطوى عليه فكرة التصوف من أغلاط تمس جوهر الرسالة التى دعا إليها القرآن فأعلنوا عليه حربا شعواء. وخاصموا رجاله الذين انتموا إليه من ثقة به أو لإصلاح أمره، وإقامة عوجه. بيد أن المعركة انتهت بهزيمة التفكير السليم الناضج- للأسف العميق- واستطاع أغبياء المتصوفة أن يلووا عنان الإسلام عن نهجه العتيد إلى نهجه الجديد الزائف. وانبعثت مرة أخرى الرهبانية- التى كان الإسلام أول عهده قد قضى عليها- وأصبح هم العامة أن يترددوا بين بيوتهم والمسجد، وأن يأخذوا من الحياة ما يسد الرمق فحسب ... وأصبحت كلمة التدين في عرف هؤلاء تعنى كل شئ إلا تأسيس الحضارات وإقامة النهضات وبعث المدنيات. ثم ظل معني الكلمة يهوى حتى صار التدين سبة يأنف الأذكياء من الاتصاف بها. ص_209