فماذا صنعت الحكومات المتعاقبة لتحضير هؤلاء وحشدهم في مستعمرات زراعية منظمة تكثر بها ثروة البلاد وتعالج ما طبع عليه أولئك الأعراب من فراغ وفساد؟ لا شىء. برغم أن حدود مصر الشرقية أحوج ما تكون إلى التحصين والتأمين بعد ما اقترب اليهود منها. واليهود عدو ماكر ماهر. وقد استطاع أن يملأ صحراء النقب بعشرات من المستعمرات الغنية بمواردها القوية بأسلحتها. فكيف يجوز أن تبقى صحراء سيناء وصحراؤنا الشرقية تعج بقطعان من المهربين لا عمل لهم إلا جر الأخطار على البلاد؟ وإلى متى تظل الأرض الصالحة بهذه المناطق جرداء لا زرع فيها ولا ضرع؟ ولماذا لا تنتثر فيها الواحات الحافلة بالأزهار والأثمار المليئة بالقلاع والرجال كما حدث في الجهة المقابلة لصحراء النقب؟! ثم ماذا ننتظر؟!
ولنترك مصر جانبا، ثم لنورد مثلا آخر من بلاد الإسلام المنكوب بالأدعياء والمنافقين. لنذهب إلى"نجد"و"الحجاز"حيث القفار الواسعة والمهامة المغبرة. ولعلك تتوهم أن الطبيعة ضنت على هذه البلاد المجدبة، بينما عمرت غيرها بأنهار تفيض سمنا وعسلا. وهذا خطأ فاضح، فالقحط في هذه الديار الجافة، قحط أخلاق لا قحط أرزاق. والفقر السائد هناك فقر مصطنع تعاونت على التمهيد له حكومات مجرمة، وقبائل تحيا هنا وهناك كالسائمة. يقول الأمير"شكيب أرسلان":"من الأغلاط المشهورة الظن بأن بلاد ص_085"