ولم يبال هؤلاء الرجال أن يتركوا الطبقات الدنيا تموت بؤسا وضياعا. فلما تطور الاقتصاد العالمى واتجهت الحياة العامة نحو الاشتراكية، كفر الاشتراكيون بالدين، وبنوا مذهبهم على هدمه، وبيتوا العداء الشديد للأديان كلها. وهذا المسلك ينطوى - لا ريب - على غلو ظالم، فإن مسلك الإسلام - وهو دين إنسانى بحت - بإزاء العلم والسياسة والاقتصاد لا يبيح لواحد من هذه الثلاثة أن يكفر به، ولا أن يجحد قدره. وسنرى في هذه الرسالة دلائل متضافرة على هذه الحقيقة الثابتة. وما دام الإسلام هو الخلاصة الصحيحة لرسالات السماء. وما دام مدلوله الصادق القريب هو الفطرة الإنسانية النقية التى تشع العلم والاقتصاد والسياسة في أسمى صورها، فهل هناك من سبب معقول لبقاء أية عداوة بين الدين وبين نتائج الفكر الإنسانى في هذه الميادين؟
وأخطر مطعن يوجه إلى الإسلام، وشر معرة تلحق بمبادئه نفسها بقاء الحالة الاجتماعية والسياسية في بلاده، تثير الأقاويل منه، وتعرضه على العالم في أسوأ لباس. ذلك أن جماهير المسلمين تضطرب في مستوى دنىء من المعيشة المادية والتفكير العقلى. ولا أحسب أن نظاما ما من نظم الغرب يرضى أن ينحدر أبناؤه إلى الحضيض الذى وصلنا إليه. فهل يعقل أن يرضى الإسلام بهذه الحال بله أن يسخر لبقائها؟ ولقد كتب صحافى أمريكى يصف لأبناء العالم الجديد حالة الشعب المصرى ومقدار التعاسة التى تنصب على رأسه من نظام الطبقات المتغلغل فيه فقال:"إن الطبقة الحاكمة في مصر لا يزيد عدد أفرادها على 5% من مجموع السكان. ص_031"