ولئن كان التقى قد عقل الألسنة عن أن تقول ذلك لقد عجز عن منع المجتمعات من بناء تقاليدها الكثيرة على هذا الأساس المنهار. ثم رسخت هذه التقاليد حتى بنيت عليها طائفة من الأحكام الفقهية الخاصة بالزواج! والمهور والنفقات!! وهى أحكام تحترم الغنى والنسب، وترعى جانب البيوتات الكبيرة في الكفاية والكفاءة. ولذلك قال شاعر، يعتذر عن سياحته في جمع المال:
فإن الفتى ذا الحزم رام بنفسه ... جواشن وهذا الليل كى يتمولا!
ومن يفتقر في قومه يحمد الغنى ... وإن كان فيهم واسط العم مخولا!
ويزرى بعقل المرء قلة ماله ... وإن كان أزكى من رجال وأحولا!
كأن الفتى لم يعر يوما إذا ... ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا!
ونحن نشاهد في الطبقات الدنيا من الناس، أنها برغم عريها العقلى من التعليم على جانب كبير من الذكاء الذى يدور محوره على كسب المال، وجمعه من أعقد الطرق، بل استخلاصه من أشد المصادر ضنا به. وذلك لأن السعى وراء المال يتصل في حياتها بغريزة البقاء. وهى غريزة متأصلة في الحيوان والإنسان معا، إلا أن نتائج هذا السعى الحثيث في بيئة شحيحة بالخير كانت وبالا على الأخلاق والمجتمع. إذ أصبح النفر من الرجال يقتل حول قروش معدودات!! وأصبح العدد من الفلاحين يقتل لرى حقل! أفلا نستطيع تلافى هذا الهوان الإنسانى، إذا أمنا على حياة المجتمع تأمينا يقطع دابر الحاجة والاحتيال؟ وبصرف مواهب البشر إلى أسمى من هذه الغايات! ويقى الأمم ضراوة الخصام الدامى على ضرورات العيش ..؟؟