ولأن العلماء الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ساروا في ركاب أولئك الطاغين ويسروا لهم الفتاوى المغشوشة، وخلطوا بعض العبادات الشخصية ببعض المسالك الاجتماعية الملتوية حتى ظهرت سياسة الحكام المستبدين وكأنها تلبى نداء الدين، وتقيم شرائعه. ولأن العلماء الأخيار اكتفوا بالعزلة والسخط، وربما فضحوا بألسنتهم ظلم الولاة، وفساد من أيدهم من علماء الدين. وربما أشعروا جماهير الأمة بأن هؤلاء وأولئك كذبة على الإسلام بأعمالهم وأقوالهم .. ولكن أولئك العلماء الصالحين لم يقوموا بجهد إيجابى يشرح طبيعة الدين، ويفصل الفروع التى تعنى طوائف الناس، وتمس متاعبهم، وتحل مشكلاتهم. هذه الأحوال مجتمعة جعلتنا نعذر من تشبثوا بالعناوين الجديدة ونشدوا لأنفسهم الخير من ورائها وهذه الأحوال هى التى جعلتنا نقارن بين ما يقال وبين مواريثنا النظرية على أمل أن يشعر الجيل الحاضر بنفاسة ما عنده فيؤثره ويرتضيه. إن غيرنا استطاع عمليا أن يستفيد من التجارب وأن يضع من البرامج ما يحول بين الشعوب والوقوع في مآسى الذل والحاجة، فما يمنعنا من دراسة ذلك كله والإفادة منه؟؟ إن التعصب لحقائق الدين شىء، والتجهم لما يرسى قواعده ويحقق أهدافه شىء آخر، بل هما شيئان متقابلان. وعندما أمنع الكفر والرذيلة والمظالم بتشريعات محدثة مطبقة في بلاد أخرى فأنا مع الدين ولست ضده. بل عندما أضع قيودا قانونية في أصول الحكم وفروعه تمنع أى حاكم قديم - مثل معاوية بن أبى سفيان - أو أى حاكم جديد من حكام المسلمين اليوم - ولا نضرب الأمثال - فإن ذلك ليس تهوينا للإسلام شكلا أو موضوعا أمام أنظمة أخرى، ولكنه في الحقيقة إنصاف للإسلام وبسط لرواقه على أوسع نطاق. وعلى ضوء ما قدمنا نثبت هذه الفقرات في سياسة المال للأستاذ أحمد موسى سالم، فهى تخدم الإسلام خدمة جلى: ص_099