لبواعث شتى من مقتضيات المجتمع الذى يعيشون فيه، ولذلك فهى متكاثرة متغايرة. لاختلاف الرجال شحا وجودا واختلاف الأحوال عسرا ويسرا. ولقد كان الأنصار في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هم كبار المزارعين، وقد أثبت التاريخ لهم من فضائل البذل والإيثار والتضحية ما لم يثبته لقوم في الأولين والآخرين. ولقد كانوا (يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) . وبيئة مثل هذه البيئة لا تجد سلطة القانون موضعا فيها لتعمل عملها الباطش العنيف. وما دام الرجل يعطى أكثر مما يطلب منه، وينفق أضعاف ما يكلف به، ويقدم ضرورات غيره على ضرورات نفسه، فمن العبث بقيم الرجال أن تجنح إلى سيف القانون تهدد به وتتوعد!! فما أكثر ما تغنى التقاليد عن القوانين. لست ترى إلى إنجلترا؟ إن برلمانها أعرق البرلمانات في العالم، ومع فلك لا يقوم النظام البرلمانى فيها على مواد مكتوبة بل على عرف مقرر محترم لا يكاد أحد يميل عنه قيد أنملة. بينما وجد بلاد أخرى تكتب فيها المواثيق بالدماء، ومع ذلك لا ترعى لها حرمة. وبلد كالولايات المتحدة يوجد فيها من كبار الملاك من يجردون بالملايين لخدمة الأغراض الاجتماعية وتدعيم النواحى الإنسانية. وأنواع البر هناك لم تشك قط جفافا في مواردها. فإذا ارتكس هؤلاء القوم وانهارت تقاليدهم العامة فلم تعد لها سلطة القوانين الحازمة فستضطر إنجلترا إلى تدوين تقاليدها البالية في كتاب. وستضطر الولايات المتحدة إلى تسجيل ديموقراطيتها الاقتصادية في صحائف حمر. كذلك كانت أحوال المسلمين في دار الهجرة على عهد النبوة، أدت التقاليد الفاضلة رسالتها، بل قامت بأكثر مما يجب عليها. ونظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جمهور الشعب فوجده رضى النفس لا يشكو من ضيق هو بعد لما يولد، ولا ينقم على سرف هو بعد لما يوجد. ص_097