يقول الأمير"شكيب أرسلان":"لما كنت في المدينة المنورة قبل الحرب العامة سنة 1914، وجلت في عواليها والبقاع التى تليها، وشاهدت زكاء تلك الأرض وسمعت خرير مياهها. قذرت أن البلد الطيب وحده - لو بقيت سكة الحجاز الحديدية متصلة به - لتحمل نصف مليون نسمة ولما تكاءده أمر معيشتهم. وقد بلغ سكان المدينة قبل الحرب الأولى خمسين ألف نسمة. فلما تآمرت إنجلترا وفرنسا على قطع السكة الحديدية بين الشام والحجاز، وجحدتا حقوق المسلمين فيها تقهقر العمران في المدينة وضواحيها، فهبط سكانها إلى خمسة عشر كفا. كما أن جميع القرى التى ازدهرت على جوانب الخط تراجعت بسرعة إلى الوراء، كمعان وتبوك ومدائن صالح ...". قال الأمير المسلم: لا إن التخوف من عمران الحجاز أهم الأسباب التى دفعت الدولتين الاستعماريتين إلى المعارضة في تسليم سكة حديد الحجاز إلى المسلمين. فإنجلترا وفرنسا اللتان تتحكمان في مائتى مليون مسلم تكرهان أن يكون لهم ملجأ تهوى إليه أفئدتهم، وتتوافر فيه أسباب الراحة، ويسعد لاستقبال الملايين فيه لا سيما الحجاز .. لا سيما الحجاز"أ. ه-. واستطرد الأمير يذكر الأماكن الصالحة للزراعة، فأشار إلى إمكان تعمير خيبر. وهذا حق، فخيبر - كما قرأنا في كتب السيرة - كانت بلدا تفيض بأطيب المحصولات. وكان يهودها يدلون بغناهم على عرب الجزيرة. وقد اتخذوا منها قواعد عسكرية محصنة ناوشوا بها الإسلام حينا، ثم أجلوا عنها أخيرا. وقد تقهقرت خيبر الآن ولا يقيم بها سوى بعض الأجراء من السودان، ألفوا الحمى التى تنتشر في مستنقعاتها. وإننا ندهش لأن رذيلة الكسل، وخلق البلادة، قد تحولا إلى تقاليد معقدة من الشرف المكذوب والنيل السخيف. فكثير من العرب يحتقر الفلاحة ويزرى على الفلاحين ولا يزال هذا السفه شائعا بين العوام في صعيد مصر. ص_087"