والغريب أن كثيرا من الملاحدة نبتت بذور الكفر في أفئدتهم لأنهم نظروا إلى تخمة نفر من المتعطلين بالأموال وضيعة عدد من الأذكياء. فبدلا من أن يسعوا إلى مرضاة الله بإقامة عدله في الأرض، نسبوا هذا العوج إلى السماء، وجعلوا هذه النسبة مهادا لإنكار الألوهية نفسها، بعد اتهامها بالنقص والحيف!! ولعمرى إن هذا لهو الضلال المبين. على أن تفاوت الأرزاق حقيقة كونية يستحيل إنكارها أو تسيير الحياة بعيدا عن محورها، ذلك بأن الاختلاف بين طبائع الناس المادية والمعنوية، وانبعاثهم إلى العمل، وإجادتهم لأنواعه .. بعيد المدى. إنه اختلاف يرتكز على فطرتهم التى يولدون بها، وتسهم في تكوينه إلى حد كبير حالات غير إرادية. هذا يرزق في حنجرته أوتارا خاصة، فإذا هو مغن يكسب الذهب. وهذا يرزق في مخه تلافيف خاصة فإذا هو أريب يلعب بالجماعات، وهذه ترزق في وجهها ملامح معينة، فإذا هى غادة يخضع لها الرجال .. أو ملامح أخرى فإذا هى عاطل لا يفكر فيها أحد .. ومن الناس من يؤثر ضرب الفأس في الأرض سحابة النهار على أن يمسك بالقلم ويتأمل في كتاب، ومنهم .. ومنهم .. إن اختلاف الأرزاق تبعا لاختلاف الخلائق والملكات حقيقة لا ريب فيها، وهى حقيقة احترمتها شعائر السماء، ولم تستطع الفكاك منها أنظمة الأرض. وقد ظن بعض المخدرين بعقاقير المذاهب البراقة، أن المساواة المطلقة ممكنة، وحاولوا السير مع هذا الوهم، بيد أن طبائع الأشياء وقفتهم في مكانهم وأكرهتهم على الاعتراف بها. وإن كان المحزن - في واقع كثير من المجتمعات - أن سعة الرزق وضيقه لا يخضعان لهذه القوانين الطبيعية، بل ربما عراهما من الخلل والفوضى ما يشقى الأفراد وينشر المتاعب ويزرع البغضاء. ص_039