فإذا بليت الأمم بشئ من هذا العسف فليس رب العباد هو الذى يثار عليه لوقوع تلك المناكر، بل تكون الثورة على الملوك الفاسقين والأتباع المارقين. وترك هؤلاء دون نكير عليهم ثم الاتجاه بالسخط إلى الله الذى يكره أعمالهم هو التواء في الفكر، وسماجة في الحكم. لماذا يلام الدين، أو يكفر برب العالمين، لأعمال قوم يبرأ الله من مظالمهم! وينزل دينه لحماية الخلق منهم؟ وهب هؤلاء نسبوا إلى الله ما يصنعون. ألم يكذبهم الله في كتابه؟ إذ قال: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون * قل أمر ربي بالقسط .. ) نعم. أمر ربنا - جل شأنه - بالقسط. ومن غفلة ابن الراوندى وأمثاله أن يستدلوا بالواقع المؤسف على أن هذه إرادة الله التى يجب الإذعان لها والتسليم المطلق بإزائها، وهنا ينكشف الخطأ الآخر الذى وقع فيه المؤلف الناقم على الفقراء الساخطين! لقد ذكر غنى الملوك وخدمهم على أنه القدر الذى يعد الإذعان له دينا والتبرم به كفرا وهذا باطل! بل لعل العكس هو الصحيح! أعنى أن التبرم به هو الإيمان الحق، وهو الغيرة على معالم الدين ومصالح الخلق. أما السكوت عليه فهو جهل بالدين أو نكوص عن حمل تبعاته. ورحم الله عمر بن الخطاب إذ رفض السفر إلى أرض الوباء فقيل له: أتفر من قدر الله؟ فغضب غضبا شديدا لإقحام الإرادة الإلهية إقحاما يخالف الحكمة ويصادم العقل والنقل ثم قال: أفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت إذا كنت ترعى قطيع غنم فانتقلت به من مكان مجدب إلى مكان مخصب، أكنت مراغما الأقدار بهذا الانتقال؟ كلا. هذا بقدر الله، وذاك بقدر الله! ص_038