لباس الجوع والخوف، على حين ظلت العقلية الشرقية - في القرون الأخيرة - تذوب في البحث عما يمسك عليها رمق الحياة! وقد حكوا أن فقيها إسلاميا كبيرا فاجأته خادمته وهو ذاهب لإلقاء الدرس بأن الدار ليس بها دقيق فطارت من رأسه مسائل العلم التى أعدها!! فإذا وقع كثير من العلماء والأدباء صرعى لهذا القلق، وإذا فقدت البيئة كلها هذا التأمين الاجتماعى الواجب لأبنائها جميعا، فأى فشل في الإنتاج المادى والأدبى ينتظر لمثل هذه الحال؟ إن حقائق الحياة الضنكة في الشرق الإسلامى يحددها هذا الجواب. ثم لماذا ننسى الأزمات النفسية التى تعتور الإيمان في ظل الاضطراب الاجتماعى عندما يدفن الأذكياء دفنا، ويختفى وهجهم في ألفاظ من المسكنة والبأساء، بينما نغدق على بعض الناس الخيرات والبركات، لأن المصادفات - وحدها - أطعمتهم من جوع وآمنتهم من خوف. مع أن هذه الأزمات النفسية الناشئة عن الاضطراب الاجتماعى قد تخلع الإيمان من القلوب على نحو ما قال الشاعر:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذى ترك الأوهام حائرة ... وصبر العالم النحرير زنديقا
ولسنا نرضى عن هذا الاتجاه الشارد في سخطه. فليس العيب من تصريف القدر للأرزاق، ولكن العيب من تظالم الناس، وسوء اقتسامهم لما قسم الله بينهم من معايش. ثم العيب كذلك على طوائف المتدينين، لا ترى مواطن العبادة إلا في مواطن المسكنة والدمامة والقلق. كأن الله لم يخلق الراحة والجمال والمتاع، إلا ليحتكرها الإلحاد والملحدون.؟ ص_036