قالوا في الأمثال: الجاهل يعيش ليأكل والعاقل يأكل ليعيش. وظاهر أن كلا الرجلين يأكل، ولكن هذا يجعل الأكل غاية للحياة وذاك يجعله وسيلة إليها. والإنسانية الفاضلة إنما تصح وتسمو بذلك الصنف من البشر الذين يرتفعون بوجودهم عن مستوى الضرورات الملحة والشهوات الجامحة، غير أن إيجاد هذا الصنف من الناس يحتاج إلى أمور لابد منها. فإن المأكل والملبس وما إليهما من ضرورات العيش، إذا عز منالها طال التفكير فيها. وإذا طال التفكير فيها واشتد السعى إليها عظمت قيمتها وغلت حقيقتها .. فإذا كلفت طائفة من الناس بأن تقضى عمرها في تحصيل هذه المطالب المادية، وأن تقف تفكيرها واحتيالها على توفير هذه الضرورات الإنسانية، فمعنى هذا أننا كلفناهم بأن يعيشوا ليأكلوا .. أو ليأتوا بالأكل لأهلهم وأولادهم. ولعل هذا هو الذى جعل الجمهور عندنا يطلق العيش على الخبز. ولا أدل على سقوط القيم الأدبية من هذا الإطلاق الشائع بين العامة. وهم معذورون إذ يحيون في بيئة ترغمهم على أن يعيشوا ليأكلوا، ولا تمنحهم فرصة من الراحة والطمأنينة يستريحون فيها إلى ما قد يكون في الحياة من خير وجمال، وسلام وإيمان. إن الملكات الإنسانية التى تقيد بإزاء تحصيل الأقوات، والتى قد تحبس أو تستهلك في سبيل ضمان المعيشة الكريمة .. هذه الملكات يمكن الانتفاع بها في ميادين الحياة الأخرى. وإنما انطلقت العقلية الأوروبية تقتحم الآفاق المجهولة، ثم ترجع بالكشوف الباهرة في ميادين العلم والفن والأدب، لأنها تخطت عوائق الحرمان والضيق، ومزقت ص_035