فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 213

ثم يعودون إلى قراهم المتلهفة لمقدمهم وقد نال منهم الإعياء وأصبحوا فريسة سهلة للأمراض المتوطنة أو للعلل الوافدة ولولا إلحاح الحاجة وعض الفقر ما فرط الآباء في فلذات أكبادهم بذلك الهوان. وقد كان الآباء يمنعون أولادهم من الانتظام في سلك التعليم ليحملوهم - وهم صغار - أعباء البحث عن الرزق في بيئة شحيحة به!. فلما كفل الطعام أخيرا لصغار التلامذة أقبل الممتنعون ثانية وازدحمت بهم الفصول حتى أصبح دخول المدارس يحتاج وساطات. أليس فيها الطعام العزيز؟. أليست هذه نقائض تستلفت نظر الأغبياء، أن يعيش أفقر شعب في أخصب أرض، وأن تعيش أمة مريضة في أصحى جو وأصفاه، وأن يعز القوت في البلد الذى ينتج الأقوات؟؟. على أن في النفس أشياء من تكليف هؤلاء الأطفال مؤنة الكسب وتحميلهم مشاق العيش، وخصوصا في جو يفيض بالنقائض، ويكتظ بأسباب الاحتيال والضلال. وقد كان عثمان بن عفان يقول: (لا تكلفوا الصبيان الكسب، فإنكم متى كلفتموهم الكسب سرقوا، ولا تكلفوا المرأة غير ذات الصنعة الكسب، فإنكم متى كلفتموها كسبت بعرضها، واعفوا إذا أعفكم الله، وعليكم من المطاعم بما طاب منها) . والكلمات الأخيرة من وصايا عثمان بالعفاف لو أحيطت بالضمانات المعقولة، لا طمأننا إلى أن ما يحذر لن يقع!!. لكن ما الحيلة إذا تلفت الناس فلم يجدوا مرتزقهم إلا أعشابا تنبت في الصخور، وأقواتا من رجال مردوا على القسوة والفجور؟. وإلى جانب هؤلاء الأطفال المطالبين بالتكسب من نعومة أظفارهم، وما أظن أظفارهم إلا خشنة من ساعة الميلاد يوجد صنف آخر من الفلاحين هم سكان العزب والقرى التى سقطت بما فيها ومن فيها بين مخالب أصحاب الإقطاعيات الشاسعة كما تسقط البلاد المهزومة في أيدى الجيوش الغازية!!. ص_197

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت