«ابن امرأة من قريش» .
2 -إن التأكيد علي بشرية الرسول يقطع حجة العباد علي الله بأنه لم يرسل إليهم بشرًا مثلهم، لأن الرسول إذا لم يكن بشرًا تفوت الغاية من إرساله، لأنهم -أي الرسل- إذا لم يكونوا بشرًا يتأتي للناس كلما أمرهم رسولهم بأمر أو نهاهم عن أمر أن يقولوا لست بشرًا مثلنا لا تحس بإحساسنا فإذا أمرهم بالصوم أو الصلاة مثلًا تعللوا باختلاف طاقتهم عن طاقته لكنه إذا كان بشرًا وأمرهم وفعل هو ما أمرهم به دل علي إمكان قيامهم بالأمر وتنفيذه أو انتهائهم عما ينهون عنه، وبذلك تتم فائدة الرسالة وتتحقق غايتها، يقول تعالي: «رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس علي الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيماًَ» (النساء 165) .
هذا التأسيس العقائدي الذي يكشف حقيقة بشرية الرسول في الإسلام، يكشف خطأ وخطورة فتوي البركة المزعومة لبول رسول الله صلي الله عليه وسلم، فبالإضافة إلي فساد الاستدلال فقد «خبطت في قلب» عقيدة بشرية الرسول وعرضتها للتضليل والتشويه.
ويبدو فساد الاستدلال واضحًا من الاعتماد علي حادثة فردية غير مقصودة إطلاقًا.
فقد روي القاضي عياض في كتابه «الشفا .. بتعريف حقوق المصطفي» (ص 50، جـ1، ط. دار الحديث، القاهرة) أن السيدة بركة «أم أيمن» شربت ما شربت، وهي لا تعلم أصلًا أن هذا بول، ولا أنه بول رسول الله صلي الله عليه وسلم، فلم تكن هناك نية في التبرك إطلاقًا، يقول القاضي عياض إن هذه السيدة «كانت تخدم النبي صلي الله عليه وسلم قالت: وكان لرسول الله صلي الله عليه وسلم قدح من عيدان يوضع تحت سريره يبول فيه من الليل، فبال فيه ليلة، ثم افتقده فلم يجد فيه شيئًا، فسأل بركة عنه، فقالت: قمت وأنا عطشانة فشربته وأنا لا أعلم» .
وهذا هو موضع الاستدلال لأنه يكشف حقيقة نية السيدة، وأنها لم تكن عامدة قاصدة شرب بوله صلي الله عليه وسلم بنية البركة، ولكن صاحب الفتوي -ويبدو أنه لم يقرأ هذا المصدر وكان يجب عليه أن يقرأه لأن هذا الكتاب مصدر رئيسي في أوصاف المصطفي صلي الله عليه وسلم وحقوقه- ولذلك نراه يترك هذه الكلمة المهمة «وأنا لا أعلم» في هذه الرواية الصحيحة للحديث بهذه العبارة وقد قال القاضي عياض إن الحديث لهذه الرواية صحيح ألزم الدارقطني مسلما والبخاري إخراجه في الصحيح ثم أورد الحديث بهذه العبارة وليس فيها تعليق لرسول الله صلي الله عليه وسلم، وقد أخذ القاضي عياض هذه الرواية دون تعليق من رسول الله صلي الله عليه وسلم أيضًا،
وقد روي هذا الحديث ابن جريج وغيره، وسواء كانت هذه الرواية لأم أيمن خادمة أم حبيبة أو خادمة رسول الله صلي الله عليه وسلم التي أخرج ابن السكن من طريق عبدالملك بن حصين، عن نافع بن عطاء، عن الوليد بن عبدالرحمن، عن أم أيمن قالت كان للنبي صلي الله عليه وسلم فخارة يبول فيها بالليل، فكنت إذا أصبحت صببتها، فنمت ليلة وأنا عطشانة، فغلطت فشربتها، فذكرت ذلك للنبي صلي الله عليه وسلم فقال: «إنك لا تشتكين بطنك بعد هذا» فإننا نري تأكيد هذه الرواية هي الأخري أن السيدة بركة غلطت فشربتها، أي لم تكن هناك نية تبرك، وسواء كان تعليق رسول الله في هذه الرواية أنها لا تشتكي بطنها بعد هذا، أو أنها لا تجرجر في جهنم كما أورد صاحب الفتوي،
وهناك رواية ثالثة لم يرد فيها تعليق أصلًا من الرسول عليه الصلاة والسلام، فهي زيادة علي الرواية الصحيحة ولو ثبتت فلا تعني أكثر من أنه صلي الله عليه وسلم أراد أن يطمئن السيدة علي أنها غير معاقبة علي هذا الغلط، لأنه وقع عن غير قصد منها، أو أنه لن يضرها، ومناط الحساب ثوابًا أو عقابًا علي القصد والنوايا، كما قرر صلي الله عليه وسلم القاعدة الذهبية في تقويم الأعمال «إنما الأعمال بالنيات» ولذلك لم يذكر القرطبي في الاستيعاب هذه الزيادة أيضًا مما يوهنها كما لم يذكرها ابن حجر وهو يتحدث عن بركة الحبشية علي أننا يجب أن نفهم هذه الزيادة في ضوء تحريمه صلي الله عليه وسلم شرب أبوال الناس وهو من الناس بدلالة القرآن: «قل إنما أنا بشر مثلكم» حتي في حالة التعرض للهلاك، فالمشرف علي الموت يجوز له أن يأكل الميتة، ولا يجوز له أن يشرب البول الآدمي (البخاري كتاب 4، باب 15) وقوله صلي الله عليه وسلم إن الله ما جعل شفاء أمتي فيما حرم عليها، فهل ينهي الرسول عن شر أو شيء ويأتي
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)