ولمّا كان قولُ الإمام مالكٍ لا يصحُّ في هذا الأصل إلا أن يكون هو قولَ المحقّقين من أهلِ السنة؛ لأنه من أكبر أئمة السنة , كان ذلك صارفًا صحيحًا (لا يُشَكُّ في صحّته) نَصْرِفُ به عبارته عن ظاهرها!! خاصةً مع صارفٍ آخر: وهو بقية أقواله التي تُعارضُ هذا القول , والذي سيأتي أحدها في أصل المقال بعد قليل.
وقد عقد الإمامُ البخاري بابًا في صحيحه (باب إمامة المفتون والمبتدع) , ثم بدأ بنقلٍ علّقه جازمًا عن الحسن البصري (وهو صحيح عنه , كما تراه في تغليق التعليق 2/ 292 - 293) , أنه قال: «صلِّ , وعليه بدعته» , ثم أسند إلى عُبيد الله بن عدي بن الخِيار: «أنه دخل على عثمان بن عفان (رضي الله عنه) وهو محصورٌ , فقال: إنك إمامُ عامةٍ , ونزل بك ما نرى , ويُصلِّي لنا إمامُ فتنةٍ , ونتحرّج؟ فقال: الصلاة أحسنُ ما يعمل الناسُ , فإذا أحسنَ الناسُ فأحسِنْ , وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم» . (فتح الباري 2/ 188 رقم695) .
وهذا تقريرٌ صحيح في نفسه؛ لأنّ بعضَ العقوبات لا يجوز أن يمارسها المسلمون كلُّهم ضدَّ المبتدع: إما لكون ذلك محرّمًا في الشرع أصلًا , كالصلاة على المبتدع المسلم التي لا يجوز أن يتركها المسلمون كلهم (كما قال ابن عبد البر) , وإما لأن عوامَّ المسلمين لن يستطيع أغلبُهم الوقوفَ ببعضِ العقوبات عند حدِّها المشروع , وسيُبالغون فيها حتى تخرجَ عن حدّها الجائز إلى الحدّ المحرّم.
وهنا أذكّر العلماءَ بواجبهم تجاه العامة في شأن ما يرونه من عقوباتٍ يقرّرون مشروعيتها تجاه أحد المبتدعة: بأن يُراعوا عَجْزَ أغلب العوام عن تقديرها قدرَها , وعن فَهْمِ المقصود منها , وأنها قد لا تستوجب تكفيرًا , وربما أنها لا تستوجب تفسيقًا أيضًا!!
قال إسحاق: كما قال , وكذلك كل صاحب بدعة يدعو إليها».
وقوله (المغلية) : أي الغُلاة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)