ـ [زوجة وأم] ــــــــ [14 - 12 - 06, 11:45 ص] ـ
فتح الباري شرح صحيح البخاري
وَاحْتَجَّ بَعْض مَنْ أَوْجَبَ الِاسْتِدْلَال بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ذَمّ التَّقْلِيد، وَذَكَرُوا الْآيَات وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَمّ التَّقْلِيد، وَبِأَنَّ كُلّ أَحَد قَبْل الِاسْتِدْلَال لَا يَدْرِي أَيّ الْأَمْرَيْنِ هُوَ الْهَدْي، وَبِأَنَّ كُلّ مَا لَا يَصِحّ إِلَّا بِالدَّلِيلِ فَهُوَ دَعْوَى لَا يُعْمَل بِهَا، وَبِأَنَّ الْعِلْم اِعْتِقَاد الشَّيْء عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ ضَرُورَة أَوْ اِسْتِدْلَال وَكُلّ مَا لَمْ يَكُنْ عِلْمًا فَهُوَ جَهْل، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَهُوَ ضَالٌّ.
وَالْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل أَنَّ الْمَذْمُوم مِنْ التَّقْلِيد أَخْذ قَوْل الْغَيْر بِغَيْرِ حُجَّة، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ حُكْم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّه أَوْجَبَ اِتِّبَاعه فِي كُلّ مَا يَقُول، وَلَيْسَ الْعَمَل فِيمَا أَمَرَ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ دَاخِلًا تَحْت التَّقْلِيد الْمَذْمُوم اِتِّفَاقًا، وَأَمَّا مَنْ دُونه مِمَّنْ اِتَّبَعَهُ فِي قَوْل قَالَهُ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْهُ لَمْ يَقُلْ هُوَ بِهِ فَهُوَ الْمُقَلِّد الْمَذْمُوم، بِخِلَافِ مَا لَوْ اِعْتَقَدَ ذَلِكَ فِي خَبَرِ اللَّه وَرَسُوله فَإِنَّهُ يَكُونُ مَمْدُوحًا، وَأَمَّا اِحْتِجَاجهمْ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدْرِي قَبْل الِاسْتِدْلَال أَيّ الْأَمْرَيْنِ هُوَ الْهُدَى فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ، بَلْ مِنْ النَّاس مَنْ تَطْمَئِنّ نَفْسه وَيَنْشَرِح صَدْره لِلْإِسْلَامِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَة، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَقَّف عَلَى الِاسْتِدْلَال، فَاَلَّذِي ذَكَرُوهُ هُمْ أَهْل الشِّقّ الثَّانِي، فَيَجِب عَلَيْهِ النَّظَر لِيَقِيَ نَفْسه النَّار لِقَوْلِهِ تَعَالَى {قُوا أَنْفُسكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} وَيَجِب عَلَى كُلّ مَنْ اِسْتَرْشَدَهُ أَنْ يُرْشِدهُ وَيُبَرْهِن لَهُ الْحَقّ وَعَلَى هَذَا مَضَى السَّلَف الصَّالِح مِنْ عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْده. وَأَمَّا مَنْ اِسْتَقَرَّتْ نَفْسه إِلَى تَصْدِيق الرَّسُول وَلَمْ تُنَازِعهُ نَفْسه إِلَى طَلَب دَلِيل تَوْفِيقًا مِنْ اللَّه وَتَيْسِيرًا فَهُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه فِي حَقِّهِمْ {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبكُمْ} الْآيَة. وَقَالَ {فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَح صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} الْآيَة وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مُقَلِّدِينَ لِآبَائِهِمْ وَلَا لِرُؤَسَائِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَفَرَ آبَاؤُهُمْ أَوْ رُؤَسَاؤُهُمْ لَمْ يُتَابِعُوهُمْ بَلْ يَجِدُونَ النُّفْرَة عَنْ كُلّ مَنْ سَمِعُوا عَنْهُ مَا يُخَالِف الشَّرِيعَة وَأَمَّا الْآيَات وَالْأَحَادِيث فَإِنَّمَا وَرَدَتْ فِي حَقِّ الْكُفَّار الَّذِينَ اِتَّبَعُوا مَنْ نُهُوا عَنْ اِتِّبَاعه وَتَرَكُوا اِتِّبَاع مَنْ أُمِرُوا بِاتِّبَاعِهِ. وَإِنَّمَا كَلَّفَهُمْ اللَّه الْإِتْيَان بِبُرْهَانٍ عَلَى دَعْوَاهُمْ بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَرِد قَطُّ أَنَّهُ أَسْقَطَ اِتِّبَاعهمْ حَتَّى يَأْتُوا بِالْبُرْهَانِ. وَكُلّ مَنْ خَالَفَ اللَّه وَرَسُوله فَلَا بُرْهَان لَهُ أَصْلًا وَإِنَّمَا كُلِّفَ الْإِتْيَان بِالْبُرْهَانِ تَبْكِيتًا وَتَعْجِيزًا. وَأَمَّا مَنْ اِتَّبَعَ الرَّسُول فِيمَا جَاءَ بِهِ فَقَدْ اِتَّبَعَ الْحَقّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ وَقَامَتْ الْبَرَاهِين عَلَى صِحَّته، سَوَاء عَلِمَ هُوَ بِتَوْجِيهِ ذَلِكَ الْبُرْهَان أَمْ لَا.
وَقَوْل مَنْ قَالَ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّه ذَكَرَ الِاسْتِدْلَال وَأَمَرَ بِهِ مُسَلَّمٌ لَكِنْ هُوَ فِعْل حَسَن مَنْدُوب لِكُلِّ مَنْ أَطَاقَهُ، وَوَاجِب عَلَى كُلّ مَنْ لَمْ تَسْكُنْ نَفْسه إِلَى التَّصْدِيق كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)